النساء · الآية 67

﴿وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا

«وَإِذًا»: جَوابٌ يُعَلِّقُ العَطاءَ بِالفِعل

تَتَعَلَّقُ هذه الآيةُ بِما قَبلَها تَعَلُّقَ الجَوابِ بِشَرطِه، فلا يُفهَمُ «وإذاً» إلّا بِالرُّجوعِ إلى قَولِه في الآيةِ السّادِسةِ والسِّتّين: «ولو أنَّهُم فَعَلوا ما يُوعَظونَ بِه». و«إذاً» حَرفُ جَوابٍ وجَزاء، والمَعنى: وفي تِلكَ الحال، لو فَعَلوا. واللّامُ في «لَآتَيناهُم» هي لامُ جَوابِ «لو» التي دَخَلَت على «لَكانَ خَيراً لَهُم»، فالآيةُ تُضيفُ إلى ثَمَرَتَيِ الفِعلِ هُناكَ، الخَيرِ والتَّثبيت، ثَمَرةً ثالِثة، وكُلُّها مَعقودةٌ بِشَرطٍ واحِد.

«لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا»: عَطاءٌ من أقرَبِ الحَضرة

والإيتاءُ من أ-ت-ي، عَطاءٌ يَنطَلِقُ ثُمَّ يَمضي حتّى يَبلُغَ صاحِبَه، و«آتى» على «أفعَلَ» يَجعَلُ المُعطِيَ هو الذي يُوصِلُه إلَيه. والمُتَكَلِّمُ بِـ«نا» في «آتَيناهُم» و«لَدُنّا» هو المُتَكَلِّمُ في «كَتَبنا» من الآيةِ قَبلَها، فالذي فُرِضَ أنَّه يَكتُبُ عَلَيهِم أثقَلَ الأمرِ هو الذي كانَ سيُعطيهِم لو فَعَلوا ما يُوعَظونَ بِه. و«لَدُن» ظَرفٌ لِأقرَبِ ما يَكونُ من المَبدَإ، وجِذرُه ل-د-ن، التِصاقٌ ثابِتٌ بِالمَوضِعِ يَنبَعِثُ مِنه الشَّيء، ودُخولُ «مِن» عَلَيه يَجعَلُ العَطاءَ يَبتَدِئُ من حَضرةِ المُعطي نَفسِه.

«أَجْرًا عَظِيمًا»: أجرٌ لِما فُعِل

والأجرُ من أ-ج-ر، حَقٌّ يَجتَمِعُ لِصاحِبِه على عَمَلٍ عَمِلَه ثُمَّ يَجري إلَيه، ومنه «الأُجرة» ما يُعطاه العامِل، و«آجَرَه» أعطاه أجرَه. فتَسمِيةُ العَطاءِ أجراً تَربِطُه بِالفِعلِ الذي عُلِّقَ عَلَيه: لو فَعَلوا لَآتَيناهُم أجراً، فالأجرُ مِقدارٌ لِفِعل. ووُصِفَ بِأنَّه «عَظيم»، والعِظَمُ من ع-ظ-م، جِرمٌ مُلتَحِمٌ ثَقيلٌ تَغشاه طَبَقةٌ تَستُرُه، ومنه «العَظم» صُلبُ البَدَنِ تَحتَ اللَّحم. فالأجرُ ذو جِرمٍ وثِقَل، والآيةُ تَصِفُه بِعِظَمِه وتَترُكُ ما تَحتَ هذا الوَصفِ مَستوراً، كَما يَستُرُ اللَّحمُ العَظم.

وقد جاءَتِ العَناصِرُ الثَّلاثةُ مُجتَمِعةً في الآيةِ الأربَعينَ من هذه السّورة: وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، الإيتاءُ و«مِن لَدُن» و«أجراً عَظيماً». وهُناكَ جاءَت بَعدَ حَسَنةٍ يُضاعِفُها الله، والضَّميرُ فيها ضَميرُ الغائب: «لَدُنه»، وهُنا جاءَت بَعدَ فِعلِ ما يُوعَظونَ بِه، والضَّميرُ ضَميرُ المُتَكَلِّم: «لَدُنّا». واجتَمَعَ الجِذرانِ أ-ت-ي وأ-ج-ر قَبلَ ذلك في هذه السّورةِ أمراً لِلرِّجالِ فيما يَجِبُ لِلنِّساء: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ في الآيةِ الرّابِعةِ والعِشرين، ومِثلُه في الخامِسةِ والعِشرين، فالعِبارةُ التي أُمِرَ بِها النّاسُ لِيُؤَدّوا ما عَلَيهِم لِغَيرِهِم تَعودُ هُنا في جَوابِ «لو»، والمُعطي فيها هو المُتَكَلِّمُ بِـ«نا».


حَصيلة

هذه الآيةُ جَوابٌ ثالِثٌ لِلشَّرطِ الذي في الآيةِ قَبلَها: لو فَعَلَ القَومُ ما يُوعَظونَ بِه لَكانَ خَيراً لَهُم وأشَدَّ تَثبيتاً، و«إذاً» لَآتاهُمُ المُتَكَلِّمُ بِـ«نا» من لَدُنه أجراً عَظيماً. فالعَطاءُ يَخرُجُ من أقرَبِ الحَضرة، ويُسَمّى أجراً لِأنَّه مِقدارٌ لِعَمَل، ويُوصَفُ بِالعِظَمِ ويَبقى قَدرُه مَستوراً. وتُعيدُ الآيةُ عِبارةً وَرَدَت في الآيةِ الأربَعين، فتَصِلُ ما يُعطى على الحَسَنةِ المُضاعَفةِ بِما يُعطى على العَمَلِ بِالوَعظ.