الناس · الآية 1

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ

«قُل»: الأمرُ الذي يَفتحُ السورة

تَبدأُ السورةُ بفعلِ أمرٍ: «قُل». وفي العربيّةِ، حين يُؤمَرُ القارئُ بأن يَقولَ شَيئاً، فإنّ الكلمةَ التي تَلي صيغةٌ يَنطقُها بلسانِه، زيادةً على أنّها مَعلومةٌ تُذكَر. فـ«قُل» تَجعلُ القارئَ هو المُتكَلِّم، لا المُستَمِع، وقد عُدل في السورةِ عن وَصفِ الاستعاذةِ من خارجٍ إلى تَلقينِها من داخل، فهي تَأمُرُه أن يَضعَ لسانَه على هذه الكلمات، ويَقولَها.

وبهذا يَتغيّرُ المَوضع. والفاتحةُ في آيتِها الخامسةِ نَقلَت القارئَ من ضميرِ الغائبِ إلى المُخاطَب: إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، والناسُ تَفعلُ شيئاً مُشابهاً في فاتحتِها، فتَضعُ القارئَ في مَوضعِ مَن يَتكلَّم، لا مَن يَسمَع، ويُلَقَّنُ القارئُ كَيف يَلوذ، فيَلوذ.

«أعوذ» من جذرِ السَّتر، لا من جذرِ الهَرَب

جذرُ ع-و-ذ في اللسانِ العربيِّ يَدورُ على الالتجاءِ إلى سَترٍ يُغَطّي، و«العائذة» الناقةُ التي وَلَدَت حَديثاً فاحتاجَت إلى حِمى، و«المَعاذ» المَلجأ. وقد قال يوسفُ في أَشَدِّ مَواضعِ الضَّيق: مَعَاذَ اللَّهِ﴾، وكأنّه يَدخلُ تحت سَترٍ يُسَمّيه باسمِه قَبل أن يُكمِلَ جُملتَه.

والفَرقُ بين العَوذِ والفِرارِ فَرقُ المعنى كلِّه: الفارُّ يُديرُ ظَهرَه ويَركُضُ، ويَحملُ خَوفَه معه أينما ذَهَب، والعائذُ يَدخلُ ويَستَقِرّ، ولا يَتركُ الخَوفَ خَلفَه، ويَضعُ بَينَه وبين الخَوفِ سَترَ مَن يَلوذُ به. ولذلك تَختارُ السورةُ هذا الفعلَ بالذات، فالإنسانُ في وَجهِ الوَسواسِ يَلوذُ ولا يَركُض، والذي يَركُضُ يَتبَعُه الوَسواس، والذي يَلوذُ يَنحَسِرُ الوَسواسُ عن سَترِه.

«بربِّ الناس»: الاسمُ الأوّلُ من ثَلاثة، أوسَعُها

تَختارُ السورةُ ثَلاثةَ أَسماءٍ تَنزلُ في ثَلاثِ آياتٍ مُتَتابعة: الربّ، ثمّ المَلِك، ثمّ الإله، والتَّرتيبُ غيرُ اعتباطيّ. و«الربّ» أَوسَعُها، وهو المُربّي الذي يَأخذُ خَلقَه من البِذرةِ إلى التَّمام، ويَعرِفُ كلَّ كائنٍ كما يَعرِفُ المُربّي مَن يُربّي، وبه افتُتِحَت الفاتحةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وبه افتُتِحَ النِّداءُ في البَقَرة يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾.

والقارئُ يَلوذُ أوّلاً بالاسمِ الأوسَع، بالذي يُربّيه ويَعرِفُ تَركيبَه وما يَنفعُه، فابتِداءُ لِياذِه بصِفةِ العنايةِ القائمة، دونَ صِفةِ السُّلطان. ومَن لاذَ بمَن يُربّيه عَلِمَ أنّ الذي يَلوذُ به يَعرِفُ من داخلِه ما لا يَعرِفُه هو من نفسِه.

ثمّ يَأتي «الناس». وقد قالَت الفاتحةُ «العالَمين» جَمعاً يَشمَلُ كلَّ كائن، والناسُ يُخصِّصُ، والإنسانُ في هذه السورةِ يَلوذُ بالربِّ بوَصفِه ربَّ جنسِه هو، ربَّ مَن يَتَكلَّمُ كَلامَه ويَفهَمُ وَسوَستَه ويَعرِفُ صَدرَه. والسورةُ تُضَيِّقُ الدائرةَ تَدريجيّاً من «العالَمين» في الفاتحة إلى «الناس» هنا، كأنّها تَقولُ للقارئ: ارجِع إلى الذي يَعرِفُك بالاسمِ الذي يَخُصُّك أنت.

والذي يَلوذُ بالربِّ قبلَ أن يُسَمّيَ ما يَلوذُ منه قد بَنى السَّترَ قَبل أن يَكشِفَ الجُرح، وعلى هذا الترتيبِ نَفسِه بَدأَت الفَلَق: «أعوذُ بربِّ الفَلَق» قَبل أن تَذكرَ الشُّرورَ التي تَستعيذُ منها. والسَّترُ أوّلاً، ثمّ النَّظَرُ فيما تَحتَ السَّتر، وهذا أَدبٌ في الاستعاذة لا يَنبَغي للمُسرِعِ أن يَتخطّاه.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ السورةَ بأَمرٍ لا بِخَبَر: «قُل»، فيَنتَقِلُ القارئُ من مَوضعِ السامعِ إلى مَوضعِ المُتَكَلِّم، ويُلَقَّنُ ما يَنطِقُه. ثُمّ تَأتي الكلمةُ المُلَقَّنة: «أَعوذ»، من جذرٍ يَدُلّ على الدُّخولِ تحتَ سَترٍ يُحيطُ ويَستَقِرُّ فيه الداخل، لا على الفِرارِ الذي يُديرُ الظَّهرَ ويَحملُ خَوفَه معه. ثمّ يُسَمَّى السَّترُ بأَوسَعِ أَسمائِه: «بِرَبِّ النَّاس»، وهو الأَوّلُ من ثَلاثَةِ أَسماءٍ سَتَتَوالى في السورةِ كَدَوائرَ تَضيقُ من الربوبيّةِ إلى المُلكِ إلى الأُلوهيّة. والاسمُ الذي يَفتَحُ المُصحَفَ في الفاتحةِ بـ«رَبِّ العالَمين» هو نفسُه الذي يَختِمُه هنا في «رَبِّ النَّاس»، فبَين الافتتاحِ والاختتامِ نَفَسٌ واحد، غَيرَ أنّ الفاتحةَ تَفتَحُ على سَعةِ كلِّ عالَم، والناسَ تُضَيِّقُ الدائرةَ حتى تَلتَصِقَ بِجِنسِ القارئِ نفسِه: مَن يَعرِفُ تَركيبَ صَدرِه من داخل. وتَلتَصِقُ هذه السورةُ بِسابِقَتِها (الفَلَق) فتُكمِلُ سِترَه على جِهَتَيه، فالفَلَقُ تَستَعيذُ ممّا يَأتي من خارج، والناسُ ممّا يَأتي من داخل. والقارئُ قد بَنى السَّترَ قَبل أن يَكشِفَ الجُرح: سَمَّى رَبَّه قَبل أن يَذكُرَ ما يَستَعيذُ منه، وهذا أَدَبٌ في الاستعاذة لا يَنبَغي للمُسرِعِ أن يَتخطّاه.