الناس · الآية 2

﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَلِكِ النَّاسِ

من «الربّ» إلى «الملك»: نُزولٌ نحو الباطنِ، لا صُعودٌ نحو السُّلطة

قد يَظُنُّ الخاطِرُ السَّريعُ أنّ التَّرتيبَ في السورة (ربّ ثمّ ملك ثمّ إله) ترتيبٌ صاعِدٌ من الأقلِّ إلى الأعلى، والأمرُ على خِلافِ ذلك، فالأسماءُ في القرآنِ صِفاتٌ تَنزِلُ كلُّها من حَضرةٍ واحدةٍ على مَوضعٍ مَخصوص، وليست مَراتبَ هَرَميّةً تَترتَّبُ بالعُلوّ والسُّفل. والترتيبُ هنا تَرتيبُ عُمق، لا تَرتيبُ عُلُوّ: من الاسمِ الذي يَعرِفُ بِنيَتَك (الربّ) إلى الاسمِ الذي يَأمُرُ في مَجالِك (الملك) إلى الاسمِ الذي يَستحِقُّ عبادتَك (الإله).

والوَسواسُ يَأتي من ثَلاثِ جِهات: مِن جَهلِكَ بِنيَتَك (يَستَغِلُّ مَواضعَ ضَعفِك التي لا تَعرفُها)، ومِن انفِلاتِ مَجالِك (يَتسَلَّلُ حين لا يَكونُ لِمَملَكَتِكَ صاحبُ أمر)، ومِن انصِرافِ عبادتِك (يَستَغِلُّ كلَّ خُضوعٍ يُصرَفُ عن وَجهِه). والأسماءُ الثَّلاثةُ تَسُدّ الجِهاتِ الثَّلاث.

«مَلِك» في القراءةِ المُتواترة، لا «مالك» هنا

قُرئَت في الفاتحةِ «مالكِ يومِ الدين» بقراءَتَين مُتواتِرَتَين («مالك» و«ملك»)، أمّا هنا في السورةِ الأخيرةِ فقد جاءَ اللفظُ «مَلِك» بصِيغَتِه الثابتةِ في القراءاتِ السَّبعِ كلِّها. والمَعنيانِ من جذرٍ واحد، إلّا أنّ «المَلِك» يَختصّ بنَفاذِ السُّلطانِ في المَجال، و«المالك» بقَبضةِ المِلكِ على الأَعيان.

وقد كانَ المَوضعُ في الفاتحةِ يَومَ الحَساب، وهو زَمَنٌ تَنكَشِفُ فيه القَبضةُ على ما خَفِيَ ويَنفذُ فيه السُّلطان، فاحتَملَ الوَجهَين. أمّا هنا فالمَوضعُ مَملَكةُ الصَّدرِ ومَجالُ الإنسانِ الباطن، وهو مَوضعٌ يُطلَبُ فيه نَفاذُ الأمرِ على ما يُحاوِلُ التَّسَلُّل، فاختارَ اللفظُ «مَلِك» وَحدَه: فالسورةُ تَطلُبُ أمراً يَنفذُ فيكَ الآن، دونَ قَبضةٍ على أعيانِكَ بَعد.

مَلِكُ النَّاسِ، لا مَلِكُ الأرض

المَلِكُ في عُرفِ البَشَرِ سُلطانٌ على الأرضِ والمالِ والرِّقاب، والسورةُ تَختارُ تَركيباً لا يَنزلُ على هذه المَعاني: «مَلِكِ الناس»، فهو مَلِكُ الناسِ أنفسِهم، غَيرُ مَلِكِ ما يَملكُه الناسُ، ومَلِكُ الذَّواتِ التي تُمشى بها أَقدامٌ وتُحَرَّكُ بها أَلسِنة، دونَ المَتاعِ والأرض.

وفي هذا التَّركيبِ تَواضُعٌ على الإنسانِ يَتعلَّمُه إذ يَنطِقُه، فكلُّ ما يَملكُه من بَيتٍ ووَلَدٍ ومالٍ ومَنصبٍ هو في يَدِ صاحبِ الأَيدي كلِّها، وحتّى ذاتُه التي يَظُنُّها الأقربَ إليه غَيرُ خارِجةٍ عن هذا المُلك. فالعَوذُ بـ«مَلِكِ الناس» هو الاعترافُ بأنّ الذي تَستعيذُ منه (الوَسوَسة) لا يَنفذُ إلّا في مَملَكةٍ يَأمُرُ فيها صاحبُها بإنفاذِ الأمر.

وفي الفاتحةِ كانَ مالكُ يومِ الدِّينِ يَحفَظُ الزَّمنَ كلَّه، وفي الناسِ يَحفَظُ مَلِكُ الناسِ المَجالَ كلَّه، فتَتَوَزَّعُ الأَسماءُ على الإطارَين: زَمَنٌ لا تَنفلِتُ منه ذِمّة، وحَيِّزٌ لا تَنفلِتُ منه ذات، ومَن لاذَ بِهما لاذَ بصاحبِ الإطارَين معاً.

السُّلطانُ الذي يَنفُذ في الباطن: لا تَنفعُ هنا قُوّةٌ من خارج

الوَسواسُ لا يُحارَبُ بسَيفٍ يُشهَر، ولا بِجَيشٍ يُجمَع، ولا بحارسٍ يُنادى، ولا يَدخلُ من بابٍ يُغلَق، ولا يَأتي من جِهةٍ تُحرَس، فما يَنفعُ في وَجهِه إلّا سُلطانٌ يَعرِفُ كيف يَنفذُ من حيث يَنفذُ هو. ولذلك تَختارُ السورةُ هذا الاسمَ بالذات: «مَلِك» يَنفذُ أمرُه، لا «حاكم» يُصدِرُ مَراسيمَ من قَصرِه، والأمرُ هنا أمرٌ سارٍ في النَّسيجِ، لا حُكمٌ يُكتَبُ في وَرق.

وحين تَفتَحُ البَقَرَةُ بابَ الحديثِ عن مَن يُلقي الوَسوسةَ في النَّاس يَأتي اللفظُ في صورةِ تَعليمِ السِّحر وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، فالذي يُلقي يُعَلِّم، والذي يَتلَقّى يَتعَلَّم، والفِعلُ يَجري في الباطنِ بآليّةٍ بَطيئة. ولا يَنفذُ في هذه الآليّةِ إلّا أمرٌ من جِنسِها، أي سُلطانٌ يَسري كما يَسري الوَسواسُ، غَيرَ أنّه يَنزِعُه من جَذرِه، وهذا ما يَفعلُه «مَلِكُ الناسِ» حين يَلوذُ به العائذ.


حَصيلة

الاسمُ الثاني يَنزلُ بعد الأوّل، لا يَصعَد. كانَ «الربّ» اسمَ مَن يَعرِفُ بِنيَتَكَ من داخل، ويأتي «المَلِك» اسماً لِمَن يَنفذُ أمرُه في مَجالِكَ نَفسِه. والتَّرتيبُ في السورةِ (ربّ ثمّ ملك ثمّ إله) نُزولٌ نحو الباطن، وليس صُعوداً في السُّلطةِ: مَن يَعرِفُ، ثمّ مَن يَأمُرُ في المَجال، ثمّ مَن يَستحِقُّ العبادة. ويَختارُ اللسانُ هنا «مَلِك» وَحدَه دون «مالك» (التي قُرِئَت بها الفاتحةُ في «مالكِ يومِ الدين»)، لأنّ المَوضعَ مَوضعُ نَفاذِ أمرٍ في مَجالٍ باطن، لا قَبضةٌ على أَعيانٍ ظاهرة. والمَجالُ هو «النَّاس»، أي الذَّواتُ أنفسُها التي يَجري فيها الكَلامُ والوَسوَسة، دونَ الأرضِ والمَتاعِ وما يَملكُه الناس. والوَسواسُ لا يُحارَبُ بسَيفٍ يُشهَر ولا بحارسٍ يُنادى، ولا يَدخلُ من بابٍ يُغلَق، فما يَنفعُ في وَجهِه إلّا سُلطانٌ يَسري كما يَسري هو، ويَنزِعُه من جَذرِه. وفي الفاتحةِ كانَ «مالكُ يومِ الدِّين» يَحفَظُ الزَّمَنَ كلَّه، وهنا يَحفَظُ «مَلِكُ النَّاس» المَجالَ كلَّه، فهما زَمَنٌ لا تَنفلِتُ منه ذِمّة، وحَيِّزٌ لا تَنفلِتُ منه ذات، ومَن لاذَ بِهما لاذَ بِصاحبِ الإطارَين معاً.