الإسراء · الآية 11

﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا

«وَيَدْعُ»: كَلِمةٌ يَكتُبُها المُصحَفُ بِلا واو

أوَّلُ ما يُلحَظُ في الكَلِمةِ رَسمُها، فـ«وَيَدْعُ» مَكتوبةٌ هكذا بِلا واوٍ في آخِرِها، والفِعلُ مَرفوعٌ لا جازِمَ عَلَيه. وهذا رَسمُ المُصحَفِ يُتلى كما هو ويُكتَبُ كما وَرَد، ولا يُبنى عَلَيه في هذا الكِتابِ حُكمٌ في صَوتٍ ولا في عَدَد، فالرَّسمُ يُصانُ ولا يُستَنطَق.

والفِعلُ من د-ع-و، وهو دَفعٌ يَخرُجُ من العُمقِ مَوصولاً بِمَن يُدعى، فالدّاعي يَمُدُّ خَيطاً إلى جِهةٍ بِعَينِها، وما يُصدِرُه غَيرُ صَوتٍ في الفَراغ. وهذا الخَيطُ لا يَعرِفُ ما يُحمَلُ عَلَيه، فهو يَحمِلُ ما وُضِعَ فيه.

«بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ»: باءانِ لا يُفَرِّقُ بَينَهُما شَيء

و«دُعاءَه» مَنصوبةٌ مَصدَراً يُقاسُ بِه، فدُعاؤُه بِالخَيرِ هو المِسطَرة، ودُعاؤُه بِالشَّرِّ يوضَعُ عَلَيها فيُطابِقُها، فلا الصّيغةُ تَختَلِفُ ولا الحَرف، والباءُ هُنا وهُناكَ واحِدة، والفِعلُ واحِد، والدّاعي واحِد.

فالفَرقُ كُلُّه فيما تَحتَ الباء، ولَيسَ في شَيءٍ مِمّا يَراه الدّاعي من نَفسِه. فالشَّرُّ من ش-ر-ر، وهو تَفَشٍّ يَنتَشِرُ ثُمَّ يَجري مُستَرسِلاً فلا يَقِفُ عِندَ حَدّ، والخَيرُ من خ-ي-ر، وهو نافِذٌ يَختَرِقُ ثُمَّ يَسري لَيِّناً ويَجري، وهُما مادَّتانِ مُتَبايِنَتانِ في مَجراهُما، وطَلَبُهُما بِلَفظٍ واحِد. ولِذلك يُخطِئُ الطّالِبُ وهو مُتقِنٌ لِلطَّلَب.

«عَجُولًا»: العَجَلةُ ليسَت حالاً بل تَركيباً

و«عَجُول» على وَزنِ فَعُول، وهو بِناءُ مُبالَغةٍ يُثَبِّتُ الوَصفَ في صاحِبِه، غَيرَ عارِضٍ لَه عُروضاً. ثُمَّ سُبِقَ بِـ«كانَ» فصارَ خَبَراً عن حالٍ مُستَقِرّة، لا عن نَوبةٍ تَمُرّ. وأصلُ ع-ج-ل خُروجُ الشَّيءِ من مَحبِسِه قَبلَ أن يُفتَحَ لَه، ثُمَّ انسِيابُه بِلا إمساك.

وعِندَ هذا يَنعَقِدُ الخَيطُ بَينَ شَطرَيِ الآية، فمَن أخرَجَ الثَّمَرةَ قَبلَ نُضجِها لم يَذُقْها، ومَن أخرَجَ الطَّلَبَ قَبلَ أوانِه لم يَرَ وَجهَه. والعَجَلةُ تَسبِقُ النَّظَرَ فيما يُدعى بِه، وصيغةُ الدُّعاءِ سالِمةٌ مِنها. و«الإنسان» يَتَكَرَّرُ في الآيةِ مَرَّتَين: مَرّةً وهو يَدعو، ومَرّةً وهو يوصَف، فالفاعِلُ نَفسُه هو المَوصوف.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ الدُّعاءَينِ في قالَبٍ واحِدٍ ثُمَّ تَذكُرُ لِمَ اتَّحَدا، فـ«يَدْعُ» دَفعٌ من العُمقِ مَوصولٌ بِجِهة، و«دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ» مِسطَرةٌ يُقاسُ عَلَيها دُعاؤُه بِالشَّرِّ فيُطابِقُها حَرفاً بِحَرف. ثُمَّ تَأتي العِلّةُ في كَلِمةٍ واحِدة: «عَجُولًا»، أي خُروجٌ قَبلَ الأوان، وقد ثَبَّتَتْه «كانَ» في التَّركيبِ لا في الحادِثة. فاشتِباهُ الطَّلَبَينِ راجِعٌ إلى أنَّ الطّالِبَ قَدَّمَ الطَّلَبَ على البَصَر، وما كانَ لِنَقصٍ في اللِّسان. والعَجَلةُ تَسبِقُ العَين، وهي لا تُخطِئُ الطَّريق.