الإسراء · الآية 54

﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا

«رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ»: تَفضيلٌ يُعَدّى بِالباءِ ولا يُذكَرُ لَه مُفَضَّلٌ عَلَيه

ابتُدِئَ بِالإضافةِ إلَيهِم: «رَبُّكُم». والرَّبُّ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه. لم يُقَلْ «رَبُّ العالَمين» ولا «رَبُّكَ» كما قيلَ في مَواضِعَ من هذه السّورة، بَل نُسِبَ إلَيهِم هُم في مَقامِ الحُكمِ عَلَيهِم.

و«أعلَمُ» أفعَلُ تَفضيل، عُدِّيَ بِالباءِ لا بِنَفسِه. لم يُقَلْ «يَعلَمُكُم». والباءُ تُلصِقُ العِلمَ بِمَوضوعِه، فيَصيرونَ هُمُ المادّةَ التي وَقَعَ عَلَيها. والعِلمُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.

ولم يُذكَرْ مُفَضَّلٌ عَلَيه. لا «أعلَمُ بِكُم مِنكُم» ولا «مِن رَسولِه». تُرِكَ الطَّرَفُ الثاني فارِغاً كما تُرَكَ في هذه السّورةِ من قَبل. وسَيَظهَرُ في آخِرِ الآيةِ مَن كانَ يُمكِنُ أن يُقاسَ بِه، حينَ يُنفى عنه أن يَكونَ وَكيلاً.

«إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ»: الشَّرطُ يُعادُ ولا يُشارَك

لم يُقَلْ «إن يَشَأْ يَرحَمْكُم أو يُعَذِّبْكُم». أُعيدَت «إن يَشَأْ» كامِلةً في الطَّرَفِ الثاني. ولَو حُذِفَت لَصارَ الشَّرطُ واحِداً لَه جَوابانِ، وصارَتِ المَشيئةُ واحِدةً تَتَرَدَّدُ بَينَ أمرَين.

وتَكرارُها يَقطَعُ هذا. لِكُلِّ طَرَفٍ شَرطُه، فلَيسا فَرعَينِ على أصلٍ واحِد بَل أمرانِ مُستَقِلّانِ كُلٌّ مِنهُما مُعَلَّقٌ بِمَشيئَتِه. والمَشيئةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.

ثُمَّ الضَّميرُ واحِدٌ في الجَوابَين: «يَرحَمْكُم» و«يُعَذِّبْكُم». لم تُقسَمِ الجَماعةُ إلى فَريقَين، ولم يُقَلْ «يَرحَمْ بَعضَكُم ويُعَذِّبْ بَعضَكُم». المُخاطَبونَ هُم هُم في الطَّرَفَينِ مَعاً.

والرَّحمةُ والعَذابُ مَفهومانِ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيهِما. والذي يُقرَأُ هُنا صيغَتاهُما: «يَرحَمْ» فِعلٌ مُجَرَّدٌ لا زِيادةَ فيه، و«يُعَذِّبْ» على فَعَّل بِتَضعيفِ عَينِه. الأوَّلُ يَقَعُ بِلا بِناءٍ زائِد، والثاني يُبنى.

«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا»: يُثبَتُ الإرسالُ وتُنفى الصِّفة

الْتَفَتَ الكَلامُ في آخِرِ الآية. كانَ «رَبُّكُم» و«يَرحَمْكُم» خِطاباً لَهُم، فصارَ «عَلَيهِم» خَبَراً عنهُم يُوَجَّهُ إلى غَيرِهِم. تَدورُ الوُجوهُ داخِلَ آيةٍ واحِدة.

وانظُرْ ما الذي وَقَعَ عَلَيه النَّفي. «ما أرسَلناكَ» ثُمَّ حالٌ مَنصوبة: «وَكيلًا». والمَنفِيُّ هو الحالُ لا الفِعل. الإرسالُ ثابِتٌ مَذكورٌ بِفاعِلِه ومَفعولِه في الجُملةِ نَفسِها التي تَنفي.

و«أرسَلناك» على وَزنِ أفعَل، فالفاعِلُ غَيرُ الجاري؛ كما في مَطلَعِ السّورةِ حينَ أُسرِيَ بِعَبدٍ ولم يَسْرِ هو. والرِّسالةُ إطلاقٌ يَجري مُستَرسِلاً حتّى يَتَعَلَّقَ بِمَن أُرسِلَ إليه، والرَّسولُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.

و«وَكيلًا» يُنظَرُ فيه إلى المُعجَم: و-ك-ل جَذرٌ لا يَحمِلُ مَدحاً ولا ذَمّاً في نَفسِه، وهو أبَداً يُسَمّي مَن يَحمِلُ الأمر. فلَيسَ في الآيةِ طَعنٌ في الوَكالة؛ فيها تَعيينُ حامِلٍ ومَنعُه. الذي مُنِعَ أن يَكونَ وَكيلاً هو المُرسَل.

و«عَلَيهِم» تُتِمُّ الصّورة. لَيسَ نَفياً لِلوَكالةِ عنهُم إلى غَيرِه، بَل نَفيٌ لِأن يَكونَ هو القائِمَ فَوقَهُم بِأمرِهِم. وقد سَبَقَ في الشَّطرِ الأوَّلِ ما يَجعَلُ ذلك لازِماً: مَن كانَ الطَّرَفانِ مُعَلَّقَينِ بِمَشيئةٍ لَيسَت لَه لم يَكُنْ هو الذي يَتَصَرَّف.

يُرسَلُ بِالبَلاغِ ولا يُسَلَّمُ إليه ما بَعدَه.


حَصيلة

يُبتَدَأُ بِالرَّبِّ مُضافاً إلَيهِم في مَقامِ الحُكمِ عَلَيهِم، وبِتَفضيلٍ يُعَدّى بِالباءِ فيَجعَلُهُم مادّةَ العِلمِ لا مَفعولَه، ولا يُذكَرُ مَن يُفَضَّلُ عَلَيه. ثُمَّ طَرَفانِ لا يَجمَعُهُما شَرطٌ واحِد: أُعيدَت «إن يَشَأْ» في الثاني فصارَ لِكُلِّ طَرَفٍ مَشيئَتُه، ولم تُقسَمِ الجَماعةُ فالضَّميرُ واحِدٌ في الجَوابَين، ووَقَعَ الأوَّلُ بِفِعلٍ مُجَرَّدٍ والثاني بِفِعلٍ مَبنِيٍّ على التَّضعيف. ثُمَّ يَلتَفِتُ الكَلامُ من خِطابِهِم إلى الإخبارِ عنهُم، ويُنفى ما نُصِبَ حالاً لا ما أُسنِدَ فِعلاً: الإرسالُ مُثبَتٌ في الجُملةِ التي تَنفي، والصِّفةُ وَحدَها مَرفوعةٌ عن المُرسَل. والجَذرُ في المُعجَمِ لا مَدحَ فيه ولا ذَمّ، فالمَنفِيُّ حامِلٌ بِعَينِه لا مَعنىً في نَفسِه. ومَن كانَتِ الرَّحمةُ والعَذابُ مُعَلَّقَينِ بِمَشيئةٍ سِواه فما لَه أن يَقومَ فَوقَ أحَدٍ بِأمرِه.