الإسراء · الآية 53

﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا

«وَقُل لِّعِبَادِي»: يُسَمَّونَ بِالعُبودِيّةِ وَحدَها

و«قُلْ» هُنا رابِعةٌ بَعدَ ثَلاث، غَيرَ أنَّ الثَّلاثَ قَبلَها كانَت مُوَجَّهةً إلى السّائِلينَ المُخاصِمين، وهذه تَنصَرِفُ إلى غَيرِهِم، فتَحَوَّلَ الخِطابُ ولم يَتَحَوَّلْ فِعلُه.

وأوثِرَ «لِعِبادي»، بِياءِ الإضافة، على «لِلمُؤمِنين» و«لِلنّاس» و«لِمَن اتَّبَعَك». والعَبدُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي يَعني هُنا أنَّ الوَصفَ المُختارَ لِمَن يُؤمَرونَ بِالقَولِ هو العُبودِيّةُ لا غَيرُها.

وهذا خَيطُ السّورةِ من أوَّلِ كَلِماتِها، فقد افتُتِحَت بِـبِعَبْدِهِ﴾، ثُمَّ جاءَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، ثُمَّ عِبَادًا لَّنَا﴾، وهُنا «عِبادي»، والمَقامُ الأعلى في السّورةِ وُصِفَ بِه، والمَأمورُ بِتَقويمِ لِسانِه وُصِفَ بِه.

ثُمَّ جاءَ «يَقولوا» مَجزوماً في جَوابِ الأمر، فهو قَولٌ يُقالُ فيُثمِرُ قَولاً: يُؤمَرُ الأوَّلُ بِالبَلاغِ ويُؤمَرُ الآخَرونَ بِالكَلام. والمَطلوبُ من العِبادِ نَوعٌ من الكَلام، ولَيسَ صَمتاً.

«يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»: المَوضِعُ الثالِثُ، وبِه يَتِمُّ النَّمَط

وفي هذه السّورةِ ثَلاثةُ مَواضِعَ تَحذِفُ المَوصوفَ وتُبقي المَوصولَ مُؤَنَّثاً: لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، ثُمَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ثُمَّ هذا، وهي هُدىً، ومُعامَلةُ مالٍ، وقَول، ثَلاثةُ أبوابٍ لا يَجمَعُها مَوضوع، وتَجمَعُها صيغةٌ واحِدة.

والصّيغةُ تَصنَعُ شَيئَينِ في وَقتٍ واحِد: فحَذفُ الاسمِ يَمنَعُ أن تُكتَبَ قائِمة، فلا يَستَطيعُ أحَدٌ أن يُحصِيَ «الَّتي» فيَحفَظَها ويُؤَدِّيَها، وتَركُ التَّفضيلِ بِلا مُفَضَّلٍ عَلَيه يَمنَعُ أن يُبلَغَ سَقف، فلَيسَ في العِبارةِ حَدٌّ إذا وُصِلَ إلَيه انتَهى المَطلوب.

فلَم يَبقَ إلّا المُقايَسةُ في كُلِّ مَرّة، وهو حُكمٌ لا يَتَحَوَّلُ إلى قاعِدةٍ تُحفَظُ لأنَّ طَرَفَيه مَفتوحان: لا يُعرَفُ ما هو، ولا يُعرَفُ أينَ يَقِف.

ثُمَّ إنَّ بَينَ الثَّلاثِ فَرقاً يُقرَأُ في الحَرف: في الأوَّلِ لامٌ، فالمَوصولُ غايةٌ يُهدى إلَيها، وفي الثاني باءٌ، فالمَوصولُ مُصاحِبٌ يُقرَبُ بِه المال، وهُنا لا حَرفَ أصلاً: «يَقولوا الَّتي»، فقد وَقَعَ المَوصولُ مَفعولاً لِلقَولِ نَفسِه، فهو المَقولُ، ولَيسَ وَسيلةً يُقالُ بِها ولا جِهةً يُقالُ نَحوَها.

والثالِثُ وَحدَه يَقَعُ بَينَ اثنَين، فالهُدى بَينَ ماشٍ وطَريقِه، والمالُ بَينَ يَدٍ وشَيء، والقَولُ بَينَ فَمٍ وأُذُن، فحينَ بَلَغَتِ الصّيغةُ مَرَّتَها الثالِثةَ نَزَلَت في المَوضِعِ الوَحيدِ الذي يَحضُرُ فيه إنسانانِ مَعاً.

«إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ»: وَخزٌ يَقَعُ في الفُرجة

وانتَقَلَ الكَلامُ من خِطابٍ إلى خَبَر، فكانَ «لِعِبادي» وصارَ «بَينَهُم»، والتَفَتَتِ الآيةُ عَنهُم لِتَذكُرَ ما يَجري فيما بَينَهُم.

وأصلُ النَّزغِ في جَذرِه وَخزٌ حادٌّ يَنفُذُ فيَغور، أي دُخولٌ دَقيقٌ لا يُرى مَوضِعُه. والشَّيطانُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.

وأمّا مَحَلُّ الفِعلِ فقد عُدِلَ فيه عن «يَنزَغُهُم» وعن «يَنزَغُ فيهِم» إلى «بَينَهُم»، فالمَوضِعُ المَوخوزُ هو الفُرجةُ لا الرَّجُل، وهذه الفُرجةُ هي المَجرى الذي يَسيرُ فيه القَول.

ولِذلك كانَ الأمرُ قَبلَها في الكَلام، فالحارِسُ المَوضوعُ على المَسافةِ بَينَ فَمَينِ كَلِمة.

«إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا»: من فِعلٍ يَجري إلى حالٍ تَثبُت

وأُعيدَ «إنَّ الشَّيطانَ» بِلَفظِه، ولم يُكتَفَ بِضَمير، ولم تُعطَفِ الجُملةُ الثانِيةُ على الأولى، فهُما جُملَتانِ مُستَقِلَّتانِ تَبدَآنِ بِالاسمِ نَفسِه.

والخَبَرُ يَتَغَيَّرُ بَينَهُما، فالأولى فِعلٌ مُضارِعٌ يَجري الآن: «يَنزَغ»، والثانِيةُ «كانَ» ثُمَّ وَصف، وهي حالٌ ثابِتةٌ لا حَدَثٌ يَتَجَدَّد، فذُكِرَ ما يَفعَلُه أوَّلاً، ثُمَّ ما هو ثانِياً.

ويَتَّسِعُ المَدى في الثانِية، فقد كانَ الخِطابُ «لِعِبادي» والخَبَرُ «بَينَهُم»، فصارَ «لِلإنسان». والإنسانُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي تُقَرِّرُه الآيةُ أنَّ العَداوةَ غَيرُ خاصّةٍ بِالمُخاطَبين.

و«مُبينًا» اسمُ فاعِلٍ من ب-ي-ن، وهو جَذرُ «بَينَهُم» في الجُملةِ التي قَبلَها، فالجَذرُ واحِدٌ جاءَ مَرَّتَينِ في آيةٍ واحِدة: الفُرجةُ التي يَعمَلُ فيها، والظُّهورُ الذي عَلَيه عَداوَتُه. وفي الجَذرِ نَفسِه يَجتَمِعُ الفَصلُ والظُّهور، فما انفَصَلَ عن غَيرِه بانَ لِلعَين.

وجاءَ اسمَ فاعِلٍ دونَ اسمِ المَفعول، وعُدِلَ عن «مُبانًا» و«مَكشوفًا»، فهو الذي يُبينُ نَفسَه، وعَداوَتُه لا تَحتاجُ إلى مَن يَكشِفُها، والمَستورُ هو مَوضِعُ الوَخزِ وَحدَه، لا الواخِز.


حَصيلة

أمرٌ رابِعٌ يَنصَرِفُ عن المُخاصِمينَ إلى قَومٍ يُسَمَّونَ بِالعُبودِيّةِ وَحدَها، وهي كَلِمةُ السّورةِ من أوَّلِها، وجَوابُ الأمرِ فيه قَولٌ لا صَمت. والمَقولُ مَوصولٌ حُذِفَ اسمُه ووُصِفَ بِتَفضيلٍ بِلا مُفَضَّلٍ عَلَيه، فلا قائِمةَ تُحفَظُ ولا سَقفَ يُبلَغ، ولم يَبقَ إلّا مُقايَسةٌ تُستَأنَفُ كُلَّما فُتِحَ فَم. وهو ثالِثُ ثَلاثةٍ في السّورة: هُدىً، فمُعامَلةُ مال، فقَول، وقد انفَرَدَ بِأنَّه بِلا حَرفِ جَرّ، فالمَوصولُ فيه مَفعولٌ لا وَسيلةٌ ولا غاية، وانفَرَدَ بِأنَّه الواقِعُ بَينَ اثنَين. ثُمَّ يُنقَلُ الكَلامُ إلى خَبَرٍ عن وَخزٍ حادٍّ يَغورُ في الفُرجةِ لا في الرَّجُل، وهي الفُرجةُ التي يَسيرُ فيها القَول. ثُمَّ يُعادُ الاسمُ صَريحاً ويُبَدَّلُ الخَبَر، من فِعلٍ يَجري إلى حالٍ تَثبُت، ومن «بَينَهُم» إلى «الإنسان»، ويُختَمُ بِاسمِ فاعِلٍ من جَذرِ الفُرجةِ نَفسِه، فالعَداوةُ تُبينُ نَفسَها ولا يُبينُها أحَد. والحارِسُ على الفُرجةِ كَلِمة، ومَن أهمَلَها لم يَبقَ بَينَ الفَمَينِ ما يَمنَعُ الوَخز.