الإسراء · الآية 55

﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا

«وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: عِلمٌ بِمَن، لا بِما

وعُدِلَ في الآيةِ عن «بِما في السَّماواتِ والأرض» إلى «بِمَن»، و«مَن» لا تَقَعُ إلّا على مَن يَعقِل، فالمَعلومُ هُنا ذَواتٌ تُخاطَبُ وتُجيب، لا أشياءُ تُعَدُّ وتُحصى. والسَّقفُ والقاعُ مَذكورانِ مَعاً، فلا جِهةَ تَبقى خارِجَ العِلم.

و«أَعْلَمُ» أفعَلُ تَفضيل، ولَيسَ فِعلاً يُخبِرُ عن حُدوث، وصيغةُ التَّفضيلِ تُبقي لِغَيرِه عِلماً وتَضَعُ عِلمَه فَوقَه. فالآيةُ لا تَنفي أن يَعرِفَ أحَدٌ أحَداً، والذي تُقَرِّرُه أنَّ المَعرِفةَ ذاتُ دَرَجات، وأنَّ أعلاها لَيسَ عِندَك.

ثُمَّ إنَّ لِهذه الجُملةِ مَوضِعاً من التي تَليها، فيُذكَرُ العِلمُ بِمَن في المَوضِعَينِ أوَّلاً، ثُمَّ يُذكَرُ التَّفضيلُ بَينَ بَعضٍ وبَعض، والتَّرتيبُ نَفسُه حُجّة: لا رُتبةَ تُوضَعُ قَبلَ أن يُعلَمَ المَوضوعُ فيها.

«وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ»: تَركيبٌ عادَ، وبَعضٌ ضاق

وهذه الجُملةُ جاءَت في السّورةِ نَفسِها قَبلَ أربَعٍ وثَلاثينَ آية: فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، والقِراءةُ مُسَجَّلةٌ هُناكَ ولا تُعادُ هُنا: بَعضان، وبَينَهُما حَرفٌ هو الذي يَحمِلُ الحُكم.

والجَديدُ في هذا المَوضِعِ أنَّ المَيدانَ سُمِّي، فقد كانَ «بَعضَ» هُناكَ مُضافاً إلى ضَميرٍ لا مَرجِعَ لَه في الآيةِ نَفسِها، وهُنا يُضافُ البَعضُ إلى اسمٍ ظاهِر: «بَعْضَ النَّبِيِّينَ». فالقِسمةُ لم تَتَغَيَّر، وإنَّما ضاقَ الحَقلُ الذي وَقَعَت فيه حتّى صارَ يُسَمّى.

وطَرَفا القِسمةِ لا يَستَوِيانِ في الصّيغة: فالأوَّلُ مُضافٌ يَتَعَرَّفُ بِإضافَتِه: «بَعْضَ النَّبِيِّينَ»، والثّاني نَكِرةٌ عارِيةٌ لا تُضافُ إلى شَيء: «بَعْضٍ»، فيُنسَبُ مَن رُفِعَ إلى جِنسِه، ويُترَكُ مَن رُفِعَ عَلَيه بِلا نِسبة، والتَّفضيلُ يُسَمّي العالِيَ ولا يُسَمّي الدّون.

و«النَّبِيِّينَ» من ن-ب-أ، وهُم حامِلو النَّبَإ، والنَّبَأُ يُقالُ لِما لَه شَأنٌ يُحدِثُ عِلماً في سامِعِه، ولا يُقالُ لِكُلِّ خَبَر. فالقِسمةُ إذاً واقِعةٌ بَينَ حامِلي شَيءٍ واحِد، لا بَينَ حامِلٍ ومَحروم، والحَملُ ثابِتٌ لِلجَميع، والفَرقُ في الحَظِّ مِنه لا في أصلِه.

«وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا»: اسمٌ يُذكَرُ، وعَطاءٌ لا يُعَرَّف

وسَمَّتِ الآيةُ داوود، فيُذكَرُ كما ذَكَرَته ولا يُزادُ عَلَيه شَيء. ولم تُخبِرْ بِأنَّه هو المُفَضَّل، والذي أخبَرَت بِه أنَّ إيتاءً وَقَع، ووَصَلَته بِما قَبلَه بِواوٍ دونَ الفاء، فالجُملَتانِ مَعطوفَتانِ لا مُتَرَتِّبَتان، ومَن جَعَلَ الثّانِيةَ بَياناً لِلأولى فقد قَرَأَ حَرفاً لَيسَ في لَفظِ الآية.

و«زَبُورًا» نَكِرة، ولم يَأتِ «الزَّبور» بِأداةٍ تُشيرُ إلى مَعهودٍ عِندَ السّامِع، والتَّنكيرُ في مَوضِعِ العَطاءِ يَترُكُ المُعطى بِلا هُوِيّةٍ مَحدودة، ويُبقي الثِّقَلَ كُلَّه على الإيتاءِ نَفسِه.

ومَدارُ الجَذرِ ز-ب-ر على رَصٍّ مُكتَنِزٍ يَمتَدُّ مُتَتابِعاً: فالزُّبْرةُ القِطعةُ المُكتَنِزةُ من الحَديد، وزَبْرُ البِئرِ طَيُّها بِالحِجارةِ مِدماكاً فَوقَ مِدماك، وزَبْرُ الكِتابِ كَتْبُه بِخَطٍّ غَليظٍ مُحكَم. فالمُعطى شَيءٌ مُتَراكِبٌ يَثبُتُ بِتَراكُبِه، وما بُنِيَ صَفّاً فَوقَ صَفٍّ لا يَسقُطُ بِسُقوطِ صَفٍّ واحِد.


حَصيلة

يُقَدَّمُ العِلمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرضِ على القِسمةِ الواقِعةِ بَينَهُم، و«مَن» تَجعَلُ المَعلومَ ذَواتاً لا أعداداً، و«أَعْلَمُ» تُبقي لِلنّاسِ عِلماً وتَجعَلُ فَوقَه عِلماً. ثُمَّ يَعودُ تَركيبُ التَّفضيلِ بِحَرفِه من مَوضِعِه الأوَّلِ في السّورة، ويَضيقُ حَقلُه حتّى يُسَمّى: النَّبِيّون، حامِلو ما لَه شَأن، والطَّرَفانِ لا يَستَوِيان، فالعالي يُضافُ إلى جِنسِه والدّونُ يُترَكُ نَكِرةً بِلا نِسبة. ثُمَّ يُذكَرُ إيتاءٌ واحِدٌ بِاسمِ آخِذِه وبِلا تَعريفٍ لِلمَأخوذ: زَبُورٌ مَرصوصٌ يَتَراكَبُ سَطراً على سَطر. فالحَملُ واحِدٌ والحُظوظُ فيه دَرَجات، ويُسَمّى مَن أُعطِيَ ولا يُحَدُّ ما أُعطِي.