طه · الآية 49

﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ

«فَمَن»: فاءٌ تَشُدُّ السُّؤالَ إلى ما قَبلَه

لم يَبتَدِئِ السُّؤالُ من فَراغ، فالفاءُ في صَدرِه تَشُدُّه إلى كَلامٍ سَبَقَه، وهو بِذلك رَدٌّ في صورةِ سُؤال: قيلَ لَه شَيءٌ فأعادَه أداةَ استِفهام.

وأوثِرَتِ الأداةُ «مَن» على «ما»، و«مَن» لا يُسأَلُ بِها إلّا عن ذات، فالمَطلوبُ في الآيةِ اسمٌ يُشارُ إلَيه، غَيرُ حَدٍّ ولا صِفةٍ ولا دَليل.

وهذا مَوضِعُ السُّؤالِ كُلِّه، فمَن سَألَ بِـ«مَن» فقد فَتَحَ باباً ضَيِّقاً لا يَدخُلُ مِنه إلّا اسم، وسَيَأتيه في الآيةِ التّاليةِ فِعلانِ لا اسمَ فيهِما، فالسُّؤالُ يُضَيِّقُ البابَ، والجَوابُ يَفتَحُ الجِدار.

«رَبُّكُمَا»: رُبوبِيّةٌ تُضافُ إلى المُخاطَبَينِ لا إلى السّائِل

وعُدِلَ عن «فمَنِ الرَّبُّ» إلى «فَمَن رَّبُّكُمَا»، والإضافةُ تَحُدُّ ما تُضافُ إلَيه، فهو رَبٌّ لَهُما هُما، مَنسوبٌ إلى جِهَتِهِما، مَتروكٌ عِندَها.

والضَّميرُ مُثَنّى، فالمُخاطَبانِ اثنانِ خوطِبا اثنَين، ولم يُفرَدْ أحَدُهُما بِالسُّؤالِ في لَفظِه.

ومَدارُ ر-ب-ب على جَرَيانٍ يَلتَصِقُ ويَدوم، ومُلازَمةٍ لا تَنفَكُّ عن مَربوبِها كما يُلازِمُ الزَّرعَ مَن يَقومُ عَلَيه حتّى يَستَوي. وهذه الكَلِمةُ بِما فيها من لُصوقٍ ودَوامٍ هي التي وَضَعَها في سُؤالِه، ثُمَّ أضافَها إلى غَيرِه ووَقَفَ هو خارِجَها، ومَن قَسَمَ المَوقِفَ قِسمَينِ في لَفظِ سُؤالِه فقد أجابَ نِصفَ جَوابِه قَبلَ أن يَسمَع.

«يَا مُوسَىٰ»: نِداءٌ مُفرَدٌ يَتَأَخَّرُ إلى آخِرِ السَّطر

سَألَ اثنَينِ ثُمَّ نادى واحِداً، فالضَّميرُ مُثَنّى والمُنادى مُفرَد، ولَيسَ بَينَهُما إلّا «يا».

ومَوضِعُ النِّداءِ آخِرُ الآية، فقد ألقى السُّؤالَ أوَّلاً وألحَقَ الاسمَ بِه، ولم يَفتَتِحْ بِالاسمِ لِيُقبِلَ عَلَيه ثُمَّ يَسأَل، فالاسمُ لاحِقٌ غَيرُ سابِق، يَقَعُ حَيثُ تَقَعُ الفاصِلة.

وتَعودُ هذه الهَيئةُ نَفسُها في هذا المَقامِ مَرّةً أُخرى: قَولٌ يُلقى ثُمَّ يُختَمُ بِـيَا مُوسَىٰ﴾، فهُما مَرَّتانِ يُقالُ فيهِما الكَلامُ أوَّلاً ويُنادى صاحِبُه بَعدَه.


حَصيلة

أربَعُ كَلِماتٍ فيها سُؤالٌ واحِدٌ وثَلاثُ قَراراتٍ في اللَّفظ: الفاءُ تَشُدُّ السُّؤالَ إلى كَلامٍ سَبَقَه فلا يُقرَأُ مُبتَدَأً، و«مَن» تَطلُبُ ذاتاً لا حَدّاً فتَفتَحُ باباً لا يَدخُلُه إلّا اسم، و«رَبُّكُمَا» تُضيفُ الرُّبوبِيّةَ إلى المُخاطَبَينِ بِضَميرِ الاثنَينِ وتَترُكُ السّائِلَ خارِجَها. والجَذرُ الذي اختارَه في سُؤالِه جَذرُ لُصوقٍ ودَوام، فأضافَ المُلازَمةَ إلى غَيرِه ووَقَفَ بِمَعزِلٍ عَنها. ثُمَّ يَجيءُ النِّداءُ آخِرَ الآيةِ مُفرَداً بَعدَ خِطابٍ مُثَنّى، فيَقَعُ الاسمُ حَيثُ تَقَعُ الفاصِلة، دونَ المَوضِعِ الذي يَبدَأُ فيه الإقبال. فقد سُئِلَ اثنانِ ونودِيَ واحِد، وطُلِبَ اسمٌ فجاءَ في الآيةِ التّاليةِ فِعلٌ ثُمَّ فِعل.