طه · الآية 50

﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ

«رَبُّنَا الَّذِي»: جَوابٌ يُعَرِّفُ بِالفِعلِ لا بِالاسم

سُئِلَ فَمَن رَّبُّكُمَا﴾ فأجابَ بِـ«رَبُّنَا». لم يُبَدِّلِ الكَلِمة، بَدَّلَ الضَّمير. كانَت في السُّؤالِ مُضافةً إلى «كُمَا» فصارَت في الجَوابِ مُضافةً إلى «نَا»، وضَميرُ «نَا» لا يَقِفُ عِندَ اثنَين.

ثُمَّ لا يَجيءُ بَعدَ ذلك اسم. يَجيءُ «الَّذِي»، وهي مَوصولٌ لا يَتِمُّ إلّا بِصِلة، والصِّلةُ هُنا فِعلٌ ثُمَّ فِعل. طُلِبَ في السُّؤالِ ما يُشارُ إلَيه فجاءَ ما يُفعَل.

وهذا هو النَّقلُ كُلُّه: بابٌ فُتِحَ لِيَدخُلَ منه اسمٌ واحِد، فدَخَلَ منه عَمَل. والتَّعريفُ بِالصِّلةِ يَجعَلُ المَعروفَ مَعروفاً بِما وَقَعَ منه، لا بِما يُنادى بِه.

«أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ»: فِعلٌ لَه مَفعولانِ، أوَّلُهُما المُتَناوِل

الفِعلُ على وَزنِ أفعَل. و«العَطاء» مَفهومٌ قائِمٌ في مُعجَمِ هذا الكِتابِ لَه سِجِلُّه، وفيه أنَّ الجَذرَ ع-ط-و لا يَرِدُ في المُصحَفِ المَنشورِ إلّا فِعلاً على هذا الوَزن، لا مَصدَراً ولا اسمَ فاعِلٍ ولا اسمَ مَفعول. وهذا المَوضِعُ يُوافِقُ ذلك: فِعلٌ ماضٍ على أفعَل، ولَيسَ في السَّطرِ من هذه المادّةِ اسم.

وقد كانَ في المُصحَفِ مَوضِعٌ نَقَضَ هذا العَدَدَ بِمَصدَرٍ صَريح، حَيثُ جاءَتِ المادّةُ اسماً مُضافاً مَرَّتَين: عَطَاءِ رَبِّكَ﴾. يُذكَرُ الأمرانِ مَعاً: مَوضِعٌ خَرَجَ عن القاعِدةِ ومَوضِعٌ يَعودُ إلَيها. والجَذرُ هُنا فِعلٌ خالِص.

ثُمَّ عُدَّ المَنصوبانِ بَعدَه: «كُلَّ شَيْءٍ» و«خَلْقَهُ». مَفعولانِ اثنان، وهذا تَعَدٍّ تامّ. وفي هذه المادّةِ يَكونُ المَفعولُ الأوَّلُ هو المُتَناوِلَ لا الشَّيءَ المُتَناوَل، فالمُعطى لَه هو «كُلُّ شَيْءٍ»، والمُعطى هو «خَلْقُهُ».

و«كُلَّ شَيْءٍ» لا يَخرُجُ عنه شَيء. لَفظٌ يَستَوعِبُ ثُمَّ يُنَكَّرُ ما بَعدَه، فلا يُعَيَّنُ صِنفٌ ولا يُستَثنى صِنف. سُئِلَ عن واحِدٍ فأُجيبَ بِما لا يُحصى.

«خَلْقَهُ»: هاءٌ تَحتَمِلُ مَرجِعَين

الهاءُ في «خَلْقَهُ» تَعودُ إلى «كُلَّ شَيْءٍ» فيَكونُ المُعطى لِكُلِّ شَيءٍ خَلقَ نَفسِه، أي صورَتَه هو لا صورةَ غَيرِه. وتَحتَمِلُ أن تَعودَ إلى المُعطي فيَكونُ المُعطى خَلقاً هو خَلقُه. الوَجهانِ قائِمانِ في اللَّفظِ ولا يُحسَمُ بَينَهُما.

والجَذرُ خ-ل-ق نُفوذٌ يَتَعَلَّقُ ثُمَّ يُعقَدُ في صورةٍ مُحكَمة، فالخَلقُ تَقديرٌ يَنتَهي إلى هَيئةٍ لا تَنفَلِتُ منها. وعلى الوَجهِ الأوَّلِ يَكونُ المَوهوبُ لِكُلِّ شَيءٍ هَيئَتَه التي لا يُشارِكُه فيها سِواه.

«ثُمَّ هَدَىٰ»: ثُمَّ لا واو، وفِعلٌ بِلا مَفعولٍ ظاهِر

الحَرفُ «ثُمَّ» لا «الواو». والواوُ تَجمَعُ ولا تُرَتِّب، و«ثُمَّ» تُرَتِّبُ وتُمهِل. فبَينَ الفِعلَينِ تَرتيبٌ وفُرجة، ولَيسا شَيئاً واحِداً قيلَ بِلَفظَين.

ثُمَّ انظُرْ في المَفعول. كانَ لِلأوَّلِ مَفعولانِ، ولَيسَ لِلثّاني مَفعولٌ ظاهِرٌ ألبَتّة. لا يُذكَرُ مَن هُدِيَ ولا إلى أينَ. الفِعلُ يَقَعُ ويُترَكُ مُطلَقاً.

والجَذرُ ه-د-ي نَفَسٌ رَقيقٌ يَثبُتُ فيَضبِطُ الجِهةَ ثُمَّ يَسري مَعَ السّائِر. فهو في أصلِه دَلالةٌ خَفيفةٌ تَمتَدُّ مَعَ صاحِبِها، لا دَفعٌ ولا سَوق. فالسَّطرُ يُعطي أوَّلاً ثُمَّ يُشيرُ، ويُسَمّي ما أُعطِيَ ولا يُسَمّي ما أُشيرَ إلَيه.


حَصيلة

طُلِبَ اسمٌ فجاءَ مَوصولٌ وصِلَتُه فِعلان. «رَبُّنَا» تَرُدُّ لَفظَ السُّؤالِ وتُبَدِّلُ ضَميرَه، فما كانَ مَحدوداً بِاثنَينِ صارَ مَحدوداً بِـ«نَا» التي لا تَقِفُ عِندَهُما. ثُمَّ يَقَعُ الفِعلُ الأوَّلُ على وَزنِ أفعَل، وهو الوَزنُ الذي لا تَرِدُ هذه المادّةُ في المُصحَفِ إلّا عَلَيه، فيُوافِقُ هذا المَوضِعُ ما قَرَّرَه سِجِلُّ العَطاءِ بَعدَ مَوضِعٍ نَقَضَ العَدَدَ بِمَصدَرٍ صَريح. ولِلفِعلِ مَفعولانِ: مُتَناوِلٌ هو «كُلُّ شَيْءٍ» لا يَخرُجُ عنه صِنف، ومُتَناوَلٌ هو «خَلْقُهُ» بِهاءٍ تَحتَمِلُ أن تَعودَ إلى الشَّيءِ نَفسِه وأن تَعودَ إلى المُعطي، والوَجهانِ يُعلَنانِ ولا يُحسَمان. ثُمَّ يَجيءُ الحَرفُ «ثُمَّ» لا الواو، فيَفصِلُ الفِعلَينِ بِتَرتيبٍ ومُهلة، ويَنتَهي السَّطرُ إلى فِعلٍ عارٍ من كُلِّ مَفعول. مَفعولانِ في أوَّلِه ولا مَفعولَ في آخِرِه: يُذكَرُ ما وُضِعَ في اليَدِ ولا تُذكَرُ الجِهةُ التي تَمشي إلَيها.