طه · الآية 51

﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ

«قَالَ فَمَا»: السُّؤالُ الثّاني، وقد تَبَدَّلَتِ الأداةُ وَحدَها

تَبدَأُ الجُملةُ كما بَدَأَتِ الأولى: فِعلُ قَولٍ بِلا فاعِلٍ مُسَمّى، ثُمَّ فاءٌ تَشُدُّ الكَلامَ إلى ما قَبلَه، ثُمَّ أداةُ استِفهام، فهُما اثنَتانِ على قالَبٍ واحِد.

والذي تَبَدَّلَ أداةُ السُّؤال، فقد كانَ في الأولى فَمَن رَّبُّكُمَا﴾، وهو هُنا «فَمَا». و«مَن» تُسأَلُ بِها عن ذات، و«ما» يُسأَلُ بِها عن غَيرِ الذّات، فالسّائِلُ يُغَيِّرُ جِنسَ ما يَطلُب.

وقد سَألَ أوَّلاً عن حاضِرٍ يُشارُ إلَيه فأُجيبَ بِفِعلَين، فيَنتَقِلُ الآنَ إلى غائِبينَ لا يُشارُ إلَيهِم، وهو سُؤالٌ لا يَنقُضُ الجَوابَ ولا يَقبَلُه، ويُزيحُ المَوضِعَ الذي يَقِفُ عَلَيه.

«بَالُ»: سُؤالٌ عن حالٍ يَلزَمُ، لا عن خَبَرٍ يُروى

وأوثِرَ «فَمَا بَالُ» على «فما خَبَرُ» و«فما صارَ إلَيه»، ومَدارُ ب-و-ل على ما يُحبَسُ في نَفسِ المَرءِ ويَتَعَلَّقُ بِه فيَلزَمُه.

ومِنه «بالُ الرَّجُلِ» لِما حَلَّ في نَفسِه فلَزِمَها، و«ما بالُكَ» أي ما هذا الذي حَلَّ فيكَ وثَبَتَ عَلَيك، و«خَطَرَ بِبالي» أي وَقَعَ في ذلك الباطِنِ اللّازِم، فالكَلِمةُ تَسأَلُ عن حالٍ يَلزَمُ صاحِبَه، لا عن واقِعةٍ تُؤَرَّخ.

وهذا أدَقُّ ما في السُّؤال، فمَن سَألَ عن البالِ طَلَبَ الهَيئةَ التي حَلَّت بِقَومٍ فلَزِمَتهُم، ولم يَطلُبْ تاريخاً ولا أسماءً ولا مَصائِرَ مُفَصَّلة. وسَيَجيءُ الجَوابُ في الآيةِ التّاليةِ فيَنقُلُ مَوضِعَ العِلمِ نَفسَه.

«الْقُرُونِ الْأُولَىٰ»: مَعدودٌ بِلا عَدَد، ومَوصوفٌ بِلا اسم

وأصلُ ق-ر-ن ضَمٌّ مُحكَمٌ يَقرِنُ الشَّيءَ بِنَظيرِه فيَجريانِ مَعاً ثُمَّ يَخرُجان، فالقَرنُ من النّاسِ جَمعٌ اقتَرَنَ في زَمَنٍ واحِدٍ ثُمَّ مَضى وخَلَفَه غَيرُه، والمادّةُ تُسَمّي الاقتِرانَ ولا تُسَمّي مِقداراً.

ولِذلك خَلَتِ الآيةُ من العَدَد، فـ«الْقُرُونِ» جَمعٌ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّام، والتَّعريفُ يُشيرُ ولا يُعَيِّن، فلا اسمَ لِواحِدٍ مِنها ولا مَوطِنَ ولا زَمَن.

ووَصفُها الوَحيدُ «الْأُولَىٰ»، وهو من أ-و-ل: مَبدَأٌ يَرجِعُ إلَيه ما تَلاه، فالوَصفُ رُتبةٌ في التَّقَدُّمِ لا غَير، أي هُمُ الذينَ كانوا قَبل. ومَن أرادَ أن يَملَأَ هذا الفَراغَ بِأسماءٍ وسِنينَ فقد أضافَ إلى الآيةِ ما لَيسَ فيها، والآيةُ لا تَقولُ عَنهُم إلّا أنَّهُم سَبَقوا.


حَصيلة

سُؤالٌ ثانٍ على قالَبِ الأوَّل: قَولٌ بِلا فاعِلٍ مُسَمّى، وفاءٌ تَشُدُّه إلى ما قَبلَه، وأداةُ استِفهام. والذي تَبَدَّلَ أنَّ الأداةَ كانَت تَطلُبُ ذاتاً فصارَت تَطلُبُ غَيرَ ذات، وأنَّ المَسؤولَ عَنه كانَ حاضِراً يُشارُ إلَيه فصارَ غائِبينَ لا يُشارُ إلَيهِم. و«بَالُ» من مادّةِ ما يُحبَسُ في النَّفسِ فيَلزَمُ صاحِبَه، فالمَطلوبُ هَيئةٌ لَزِمَت قَوماً، غَيرُ واقِعةٍ تُروى ولا زَمَنٍ يُحَدّ. و«الْقُرُونِ» من مادّةٍ تُسَمّي الاقتِرانَ ولا تُسَمّي مِقداراً، فجاءَت مُعَرَّفةً بِلا عَدَدٍ ولا اسمٍ ولا مَوطِن، ووَصفُها الوَحيدُ رُتبةٌ في التَّقَدُّم: هُمُ الذينَ سَبَقوا. فهو سُؤالٌ لا يُنكِرُ الجَوابَ ولا يَقبَلُه، ويَنقُلُ القَدَمَ من أرضٍ إلى أرض، ومَن نَقَلَ مَوضِعَ السُّؤالِ سيُنقَلُ عَلَيه مَوضِعُ الجَواب.