طه · الآية 52

﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى

«عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي»: جَوابٌ يَنقُلُ مَوضِعَ العِلمِ ولا يَفتَحُه

سُئِلَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ﴾ فعُدِلَ في الجَوابِ عن ذِكرِ ما كانَ بالُها إلى ذِكرِ مَوضِعِ عِلمِها، فقد طُلِبَ مَضمونٌ فأُعطِيَ مَوضِع.

والمُبتَدَأُ «عِلْمُهَا»، والهاءُ تَعودُ إلى القُرون، فالمَسؤولُ عَنه لم يُترَكْ ولم يُنكَر، وقد أُبقِيَ في الجُملةِ مُضافاً إلَيه، وأُزيحَ عَنه الخَبَرُ إلى مَن عِندَه عِلمُه.

و«عِندَ» ظَرفٌ لِلحُضورِ لا لِلمِلك، ويُقالُ «عِندي» لِما هو حاضِرٌ بَينَ يَدَيك، فالجَوابُ يُثبِتُ حُضورَ العِلمِ في جِهةٍ ولا يُخرِجُ مِنه شَيئاً إلى السّائِل.

ومَحَلُّ النَّظَرِ الضَّميرُ المُلصَقُ بِـ«رَبّ» في هذا الحِوار، فقد جاءَ «رَبُّكُمَا» في فَمِ السّائِل، ثُمَّ «رَبُّنَا» في الجَواب، ثُمَّ «رَبِّي» هُنا مَرَّتَين، فهي ثَلاثةُ ضَمائِرَ على كَلِمةٍ واحِدة، تَضيقُ في كُلِّ مَرحَلةٍ حتّى تَبلُغَ المُتَكَلِّمَ وَحدَه، ومَن ضاقَ ضَميرُه اتَّسَعَ مَوقِفُه.

«فِي كِتَابٍ»: تَنكيرٌ يُبقي الظَّرفَ على إبهامِه

و«كِتَابٍ» نَكِرة، دونَ «الكِتاب» و«كِتابِ رَبِّي»، ولا صِفةَ لَه ولا نَعت، والجَوابُ الذي نَقَلَ المَوضِعَ لا يَصِفُ المَوضِعَ الذي نَقَلَ إلَيه.

وأصلُ ك-ت-ب شَيءٌ يُحبَسُ بِضَغطٍ دَقيقٍ ويَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَتَمَسَّكُ بِه، فالكِتابُ ما حُبِسَت فيه المَعاني فاتَّصَلَت بِمَحَلِّها وتَمَسَّكَت بِه. وهذا وَجهُ ذِكرِه هُنا، فما سُئِلَ عَنه مُمسَكٌ في مَحَلٍّ يُمسِك، غَيرُ مَنسِيٍّ في العَدَم.

فاجتَمَعَ في نِصفِ آيةٍ حُضورٌ وإمساك: «عِندَ» تَدُلُّ على أنَّه حاضِر، و«فِي كِتَابٍ» تَدُلُّ على أنَّه مَحفوظ، ولا يُقالُ بَعدَ ذلك حَرفٌ في مَضمونِه.

«لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى»: نَفيانِ لا نَفيٌ واحِد

وجاءَ نَفيانِ مَعطوفانِ والاسمُ بَينَهُما، ولم يُكتَفَ بِـ«لا يَنسى» وَحدَها، ولَو كانا شَيئاً واحِداً لَاكتُفِيَ بِأحَدِهِما، فالفَرقُ بَينَهُما هو سَبَبُ ذِكرِهِما.

ومادّةُ ض-ل-ل ضَغطٌ يَمتَدُّ حتّى يَختَفي في سَعَتِه، ومِنه «ضَلَّ الماءُ في اللَّبَن» إذا اختَلَطَ فلم يَتَمَيَّز، فالمَنفِيُّ الأوَّلُ أن يَختَلِطَ الشَّيءُ بِغَيرِه فلا يُتَمَيَّزُ مِنه، وهو نَفيٌ عن مَحَلٍّ فيه كُلُّ شَيء، والمُختَلِطُ إنَّما يَضيعُ في الكَثرة.

وأصلُ ن-س-ي انبِعاثٌ يَنساحُ مُمتَدّاً ثُمَّ يَسري لَيِّناً فيَنفَلِت، فالمَنفِيُّ الثّاني أن يُفلِتَ الشَّيءُ من القَبضةِ بِلا صَوتٍ ولا انتِباهٍ إلى إفلاتِه، والأوَّلُ ضَياعٌ في الزِّحام، والثّاني ضَياعٌ في الغَفلة.

وهذا أوَّلُ مَوضِعٍ تَدخُلُ فيه مادّةُ ن-س-ي هذه السّورة، وهي تَدخُلُها مَنفِيّة، فأوَّلُ ما يُسمَعُ من الجَذرِ نَفيُه، ثُمَّ يَعودُ في السّورةِ بَعدُ مُثبَتاً على غَيرِ هذا المَحَلّ، ويُكتَفى هُنا بِذِكرِ أنَّ الخَيطَ قائِمٌ دونَ إعادةِ ما فيه.

ثُمَّ أُعيدَ الاسمُ ولم يُكتَفَ بِالضَّمير: «لَّا يَضِلُّ رَبِّي»، وقد كانَ اللَّفظُ يَستَقيمُ بِـ«لا يَضِلُّ ولا يَنسى»، فالإعادةُ تَضَعُ الاسمَ بَينَ النَّفيَينِ فيَقَعانِ عَلَيه مَعاً، كُلُّ نَفيٍ من جِهة.


حَصيلة

سُئِلَ عن حالِ قَومٍ فأجابَ عن مَوضِعِ عِلمِهِم، فأُبقِيَ المَسؤولُ عَنه في الجُملةِ مُضافاً إلَيه، ورُفِعَ الخَبَرُ عَنه إلى مَن عِندَه العِلم، و«عِندَ» ظَرفُ حُضورٍ لا ظَرفُ مِلك، فأُثبِتَ الحُضورُ ولم يُخرَجْ مِنه حَرفٌ إلى السّائِل. والضَّميرُ على «رَبّ» يَضيقُ في هذا الحِوارِ مَرحَلةً بَعدَ مَرحَلة، من ضَميرِ الاثنَينِ إلى «نَا» إلى الياءِ مَرَّتَين. ثُمَّ يُنَكَّرُ الظَّرفُ فلا يوصَفُ ولا يُعَرَّف، ومادّةُ الكِتابِ شَيءٌ يُحبَسُ بِضَغطٍ دَقيقٍ ويَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَتَمَسَّكُ بِه، فاجتَمَعَ حُضورٌ وإمساكٌ في نِصفِ آية. ثُمَّ يَنزِلُ نَفيانِ لا نَفيٌ واحِد، والاسمُ بَينَهُما دونَ الضَّمير: نَفيُ أن يَختَلِطَ الشَّيءُ في الكَثرةِ فلا يُتَمَيَّز، ونَفيُ أن يُفلِتَ من القَبضةِ بِلا انتِباه. وبِهذا يَدخُلُ جَذرُ النِّسيانِ هذه السّورةَ لِأوَّلِ مَرّة، ويَدخُلُها مَنفِيّاً قَبلَ أن يَقَعَ فيها مُثبَتاً. فقد سُئِلَ عن الغائِبينَ فقيلَ إنَّهُم في حِفظٍ لا يَخلِطُ ولا يَنسى، وهذا كُلُّ ما قيل.