طه · الآية 55

﴿۞ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ

ثَلاثةُ أفعالٍ وحَرفانِ لا ثَلاثة

عُدَّ الأفعالَ أوَّلاً: «خَلَقْنَا» و«نُعِيدُ» و«نُخْرِجُ». ثَلاثة. ثُمَّ عُدَّ الحُروفَ التي تَعَلَّقَت بِها: «مِنْ» و«فِي» و«مِنْ». حَرفانِ لا ثَلاثة، تَكَرَّرَ أحَدُهُما ووَقَعَ الآخَرُ في الوَسَط.

و«مِن» لِلابتِداءِ والخُروج، و«في» لِلظَّرفِ والاحتِواء. فالطَّرَفانِ خُروجٌ والوَسَطُ دُخول. يُخرَجُ منها، ثُمَّ يُرَدُّ فيها، ثُمَّ يُخرَجُ منها. الحَرفُ الأوَّلُ يُعادُ في آخِرِ السَّطر، فيُطبِقُ الطَّرَفانِ على الوَسَط.

وهذا كُلُّ ما في التَّركيب: مَخرَجٌ ومَدخَلٌ ومَخرَج. ولا يُقالُ كَيفَ ولا مِمَّ ولا مَتى. ثَلاثةُ أفعالٍ عارِيةٍ من كُلِّ شَرح.

تَقديمُ الجارِّ على الفِعلِ في المَواضِعِ الثَّلاثة

لم يُقَلْ «خَلَقناكُم منها». قيلَ «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ». والحَرفُ مُقَدَّمٌ في الثَّلاثةِ جَميعاً بِلا استِثناء.

فأوَّلُ ما يَقَعُ في الأُذُنِ في كُلِّ جُملةٍ هو المَحَلُّ، ثُمَّ يَجيءُ الفِعل. المَوضِعُ قَبلَ الحَدَث، والأرضُ قَبلَ ما يَقَعُ عَلَيها. ثَلاثُ مَرّاتٍ يُبدَأُ من تَحتِ القَدَمِ ويُصعَدُ منه إلى الخَبَر.

وضَميرُ «هَا» يَتَكَرَّرُ ثَلاثاً ولا يُذكَرُ لَه اسمٌ ظاهِرٌ ألبَتّة. المَرجِعُ في السَّطرِ الذي قَبلَ السّابِق، وقد بَقِيَ ضَميراً في السَّطرَينِ كِلَيهِما. ثَلاثُ جُمَلٍ مُعَلَّقةٌ بِمَذكورٍ لم يُعَدْ ذِكرُه.

ماضٍ ثُمَّ مُضارِعانِ: واحِدٌ وَقَعَ واثنانِ لم يَقَعا

«خَلَقْنَاكُمْ» ماضٍ، و«نُعِيدُكُمْ» و«نُخْرِجُكُمْ» مُضارِعان. فالجُملةُ الأولى خَبَرٌ عن أمرٍ تَمَّ، والأُخرَيانِ عن أمرٍ لم يَتِمّ.

ومَعَ ذلك سيقَتِ الثَّلاثُ في نَسَقٍ واحِدٍ بِواوَينِ فَقَط، بِلا «سَوفَ» ولا «إذا» ولا شَرط. الواقِعُ وغَيرُ الواقِعِ يُعطَفانِ عَطفاً واحِداً.

والجَذرُ ع-و-د قَبضٌ يَبقى مَوصولاً بِحالٍ سابِقةٍ ثُمَّ يَثبُتُ عَلَيها. فالإعادةُ لَيسَت نَقلاً إلى مَوضِعٍ جَديد، هي رَدٌّ إلى مَوضِعٍ سَبَقَ الخُروجُ منه. ولِذلك جاءَ حَرفُ الظَّرفِ في الوَسَطِ وَحدَه: الخُروجُ يَكونُ من شَيء، والرَّدُّ يَكونُ إلى داخِلِه.

«نُخْرِجُكُمْ»: الفِعلُ الذي أخرَجَ النَّباتَ يُخرِجُ النّاس

نونُ المُتَكَلِّمِ التي بَدَأَت في فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ لم تَعُدْ إلى الغَيبة. هُنا ثَلاثةُ أفعالٍ كُلُّها بِها.

وأكثَرُ من ذلك: المادّةُ نَفسُها تَعود. أُخرِجَ هُناكَ نَباتٌ من الأرضِ بِماء، ويُخرَجُ هُنا مُخاطَبونَ من الأرضِ نَفسِها. لَفظٌ واحِدٌ ومَحَلٌّ واحِدٌ ومُخرِجٌ واحِد، والمُخرَجُ يَختَلِف.

والجَذرُ خ-ر-ج اختِراقٌ جارٍ يَنفُذُ من الباطِنِ ثُمَّ يَجتَمِعُ في حَيِّزٍ خارِجٍ عن أصلِه. فالخُروجُ في المَوضِعَينِ نُفوذٌ من مَخزونٍ إلى ظاهِر. وبَينَ الآيَتَينِ آيةُ أمرٍ بِالأكلِ والرَّعي: أكلٌ مِمّا خَرَجَ، ثُمَّ خُروجٌ لِلآكِل.

«تَارَةً أُخْرَىٰ»: مَرّةٌ مَوصولةٌ بِمِثلِها

الجَذرُ ت-و-ر وَقعةٌ واحِدةٌ مَوصولةٌ بِمِثلِها في تَوالٍ، ومنه «التّارات» المَرّاتُ يَتلو بَعضُها بَعضاً. فالكَلِمةُ لا تُسَمّي حَدَثاً بَل تُسَمّي مَوقِعَه في تَوالٍ.

و«أُخْرَىٰ» تَأنيثُ «آخَر»، وهي تَقتَضي أُولى قَبلَها. فالمَذكورُ في صَدرِ السَّطرِ صارَ بِهذِه الكَلِمةِ الأخيرةِ «تارةً أُولى» بِغَيرِ لَفظٍ يُصَرِّحُ بِه. آخِرُ كَلِمةٍ في الآيةِ تُعيدُ قِراءةَ أوَّلِها.

فالسَّطرُ يَنغَلِقُ على نَفسِه: خُروجٌ في أوَّلِه وخُروجٌ في آخِرِه، والثّاني مَنعوتٌ بِأنَّه غَيرُ الأوَّلِ ومِثلُه. ومَن قَرَأَ الحَرفَينِ عَرَفَ أنَّ الوَسَطَ وَحدَه هو الدُّخول.


حَصيلة

ثَلاثةُ أفعالٍ وحَرفانِ لا ثَلاثة: «مِن» في الطَّرَفَينِ و«في» في الوَسَط، فيَنتَظِمُ السَّطرُ مَخرَجاً ومَدخَلاً ومَخرَجاً، ويُطبِقُ الطَّرَفانِ على الوَسَط. والجارُّ مُقَدَّمٌ على الفِعلِ في المَواضِعِ الثَّلاثةِ جَميعاً، فأوَّلُ ما يَقَعُ في الأُذُنِ المَحَلُّ ثُمَّ يَجيءُ الحَدَث. والضَّميرُ يَتَكَرَّرُ ثَلاثاً ولا يُعادُ لَه اسمٌ ظاهِر، فثَلاثُ جُمَلٍ مُعَلَّقةٌ بِمَذكورٍ ظَلَّ ضَميراً. والأوَّلُ ماضٍ والآخَرانِ مُضارِعان، وقد عُطِفَ الواقِعُ وغَيرُ الواقِعِ بِواوَينِ بِلا شَرطٍ ولا تَسويف. ومادّةُ الإعادةِ قَبضٌ يَبقى مَوصولاً بِحالٍ سابِقةٍ ثُمَّ يَثبُت، فالرَّدُّ إلى ما خَرَجَ منه لا نَقلٌ إلى سِواه، ولِذلك كانَ حَرفُ الظَّرفِ في الوَسَطِ وَحدَه. ونونُ المُتَكَلِّمِ التي بَدَأَت عِندَ إخراجِ النَّباتِ ما زالَت جارِيةً هُنا في ثَلاثةِ أفعال، والمادّةُ نَفسُها تُخرِجُ الآنَ مَن أُمِرَ بِالأكلِ مِمّا خَرَج. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِمَرّةٍ مَوصولةٍ بِمِثلِها ومَنعوتةٍ بِأنَّها أُخرى، فتَجعَلُ ما في صَدرِ السَّطرِ أُولى بِغَيرِ لَفظٍ يُصَرِّحُ بِها. حَرفانِ يَحكُمانِ ثَلاثةَ أفعال، والدّاخِلُ بَينَهُما واحِد.