طه · الآية 57

﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ

«أَجِئْتَنَا»: هَمزةُ استِفهامٍ على فِعلٍ قد وَقَع

والهَمزةُ في صَدرِ فِعلٍ ماضٍ، فالسُّؤالُ عن أمرٍ تَمَّ وقامَ، لا عن أمرٍ يُنتَظَر، والمَجيءُ حاصِلٌ والسّائِلُ يَسأَلُ عن غايَتِه.

وأصلُ ج-ي-أ مُجتَمِعٌ يَسيرُ حتّى يَنبَثِقَ في مَوضِعٍ لم يَكُن فيه، فالمَجيءُ وُصولٌ تامٌّ لا اقتِرابٌ فَحَسب، ولِذلك لا يَستَقيمُ إنكارُ الوُصولِ نَفسِه، فيُنكَرُ ما جاءَ لَه.

وهذا الفِعلُ بِعَينِه قيلَ في هذا المَقامِ قَبلَ عَشرِ آيات: قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾، فهُناكَ «جِئنا» و«كَ»، وهُنا «جِئتَ» و«نا»، والفِعلُ واحِدٌ والضَّميرانِ مُنقَلِبان، وبَعدَ الفِعلِ في المَوضِعَينِ باءٌ يَأتي النَّظَرُ فيما بَعدَها.

«نَا» ثَلاثَ مَرّاتٍ في سَطرٍ واحِد

وفي «أَجِئْتَنَا» و«لِتُخْرِجَنَا» و«أَرْضِنَا» ثَلاثُ نوناتٍ وألِفاتٍ في ثَماني كَلِمات.

وقد بَدَأَ هذا الحِوار بِسُؤالٍ عن فَمَن رَّبُّكُمَا﴾، والسّائِلُ يَومَئِذٍ واحِدٌ يُخاطِبُ اثنَين، ثُمَّ صارَ الآنَ جَماعةً يُخاطِبُ واحِداً، فانقَلَبَ العَدَدُ من الجِهَتَين.

ومَن ضَمَّ نَفسَه إلى جَماعةٍ في مَوضِعِ الجَواب فقد نَقَلَ الأمرَ من مُساءَلةٍ إلى نِزاع، وتَحَوَّلَ السُّؤالُ عن رَبٍّ إلى سُؤالٍ عن أرض.

«لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا»: غايةٌ تُقَدَّرُ لِفِعلِ غَيرِك

واللّامُ لامُ التَّعليل، والمُعَلِّلُ هو السّائِلُ لا الفاعِل، فهو يُقَدِّرُ لِمَجيءِ غَيرِه غايةً لم يَسمَعْها منه، ثُمَّ يَسأَلُ عنها سُؤالَ المُقَرِّرِ لا المُستَفهِم.

و«تُخْرِجَ» على وَزنِ أفعَل من خ-ر-ج، وهذه ثالِثُ مَرّةٍ تَجري فيها المادّةُ في هذا السِّياقِ القَريب: أُخرِجَ بِالماءِ نَباتٌ من الأرض، ثُمَّ قيلَ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾، والآنَ يُتَّهَمُ رَجُلٌ بِأنَّه جاءَ ليُخرِجَ قَوماً من أرض.

والإخراجُ في مَرَّتَينِ مَنسوبٌ إلى نونِ المُتَكَلِّم، وفي الثّالِثةِ مَنسوبٌ إلى المُخاطَبِ بِتاءِ المُضارَعة، فالمادّةُ واحِدةٌ والمَنسوبُ إلَيه يَتَبَدَّل. والذي يَخافُ أن يُخرَجَ من أرضٍ قد قيلَ لَه قَبلَ آيَتَينِ إنَّه منها يُخرَجُ على كُلِّ حال.

و«أَرْضِنَا» مُضافةٌ إلَيهِم، وأصلُ أ-ر-ض قاعِدةٌ يَجري عَلَيها الشَّيءُ ثُمَّ يُضَمُّ فيها ويَثقُل، فهي المَحَلُّ الذي تَثقُلُ عَلَيه الآثار، وقد أضافَ إلى نَفسِه ما وُصِفَ قَبلَ آياتٍ بِأنَّه مَهدٌ جُعِلَ لِلنّاسِ عامّة.

وهذه الجُملةُ لَن تَبقى في فَمِه، فستُقالُ في هذه السّورةِ بَعدُ في أفواهٍ أُخرى، ويُبَدَّلُ فيها ضَميرُ الإضافة، ويُكتَفى هُنا بِذِكرِ انتِقالِها، ولا يُعادُ ما تَنتَقِلُ إلَيه.

«بِسِحْرِكَ»: باءُ الأداةِ ومُقابَلةٌ لِباءٍ سابِقة

ويُعادُ النَّظَرُ هُنا إلى الباءَين، فقد جاءَ في المَوضِعِ الأوَّل «بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ»، والمَحمولُ فيه نَكِرةٌ ومَصدَرُها مُسَمّىً بِـ«مِن»، وجاءَ هُنا «بِسِحْرِكَ»، والمَحمولُ مُعَرَّفٌ بِالإضافةِ إلى حامِلِه ولا مَصدَرَ لَه.

فالباءُ واحِدةٌ في المَوضِعَين، وما بَعدَها يَتَبَدَّل: نُزِعَ ما كانَ مَنسوباً إلى رَبٍّ وأُلصِقَ بِصاحِبِه، وسُمِّيَ باسمٍ آخَر، فالأثَرُ باقٍ غَيرُ مَنفِيّ، والذي نُقِلَ مَصدَرُه.

ومَدارُ س-ح-ر على سَرَيانٍ مَحجوبٍ يَجري مُتَّصِلاً، أي أثَرٍ يَنتَقِلُ ولا تُرى قَناتُه، فالتُّهمةُ في لَفظِها لا تُنكِرُ ما جَرى، وتَقولُ إنَّ قَناتَه مَستورة، ومَن نَسَبَ الأثَرَ إلى قَناةٍ مَستورةٍ فقد أقَرَّ بِالأثَر.

«يَا مُوسَىٰ»: خَتمٌ يَقَعُ لِلمَرّةِ الثّانِية

ألقى الاتِّهامَ ثُمَّ نادى، والنِّداءُ في آخِرِ الآيةِ كما كانَ في أوَّلِ هذا الحِوار.

فمَقالَتانِ لَه في هذا المَقامِ تَنتَهيانِ إلى الاسمِ نَفسِه: سُؤالٌ خُتِمَ بِه واتِّهامٌ خُتِمَ بِه، فيُقَدَّمُ الكَلامُ ويُؤَخَّرُ المُخاطَبُ مَرَّتَينِ لا مَرّة.


حَصيلة

هَمزةٌ على ماضٍ، فالمَجيءُ حاصِلٌ والمُنكَرُ غايَتُه. وهو الفِعلُ الذي قيلَ في هذا المَقامِ من قَبل، مَقروناً بِباءٍ حَمَلَت آيةً مَوصوفةً بِأنَّها من رَبّ، ويُقالُ هُنا بِباءٍ حَمَلَت اسماً آخَرَ مُضافاً إلى حامِلِه، فالباءُ واحِدةٌ وما بَعدَها يَتَبَدَّل: نُزِعَ المَصدَرُ وأُلصِقَ الأثَرُ بِصاحِبِه، ولم يُنكَرْ أنَّ شَيئاً جَرى. ومادّةُ السِّحرِ سَرَيانٌ مَحجوبٌ لا تُرى قَناتُه، فالتُّهمةُ تُقِرُّ بِالأثَرِ وتُسَتِّرُ مَصدَرَه. وضَميرُ «نَا» يَتَكَرَّرُ ثَلاثاً في ثَماني كَلِمات، بَعدَ أن كانَ السّائِلُ في أوَّلِ هذا الحِوار واحِداً يُخاطِبُ اثنَين، فانقَلَبَ العَدَدُ من الجِهَتَين. ولامُ التَّعليلِ تُقَدِّرُ لِفِعلِ غَيرِه غايةً لم يَسمَعْها منه. ومادّةُ الإخراجِ ثالِثةٌ في هذا السِّياقِ القَريب، مَرَّتانِ مَنسوبةٌ إلى نونِ المُتَكَلِّمِ والثّالِثةُ إلى المُخاطَبِ بِتاءِ المُضارَعة، والخائِفُ من أن يُخرَجَ من أرضٍ قد قيلَ لَه قَبلَ آيَتَينِ إنَّه منها يُخرَج. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِالنِّداءِ كما خُتِمَ أوَّلُ قَولٍ لَه في هذا المَقام. وهو يَتَّهِمُ الآخَرَ بِأنَّه جاءَ لِيُخرِج، والأرضُ التي يُدافِعُ عنها مَهدٌ جُعِلَ لِلمُخاطَبينَ جَميعاً.