النبأ · الآية 27

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا

«إِنَّهُمْ كَانُوا»: أرضٌ تُوضَعُ تَحتَ حُكمٍ سابِق

وُصِفَ الجَزاءُ قَبلَ هذه الآيةِ بِأنَّه جَزَاءً وِفَاقًا﴾، أي مُوافِقٌ لِشَيءٍ لم يُذكَرْ بَعد، فجاءَت «إنَّهُم» لِتَضَعَ تَحتَ الحُكمِ أرضَه، وهي تَوكيدٌ في صَدرِ الجُملة، وتَعليلٌ في مَوقِعِها، والاثنانِ مَعاً يُعَيِّنانِ الطَّرَفَ الذي وافَقَه الجَزاء.

و«كانوا» تُقيمُ الفِعلَ ولا تُؤَرِّخُه، فإذا دَخَلَت «كان» على مُضارِعٍ مَنفِيٍّ صارَ النَّفيُ حالاً مُمتَدّةً لا لَحظةً عابِرة، فهذه الحالُ في سَعةِ العُمرِ كُلِّه، ولم تَكُنْ مَوقِفاً وَقَعَ في يَومٍ ثُمَّ زال. والجَزاءُ يُوافِقُ ما طالَ حتّى صارَ طَبعاً، ولا يُوافِقُ حادِثةً واحِدة.

«لَا يَرْجُونَ»: حَبلٌ لم يُلقَ

والرَّجاءُ من الجِذرِ (ر ج و)، وهو جَرَيانٌ يُعاوِدُ مَوضِعاً فيه شَيءٌ مَحبوسٌ لَيسَ في اليَد، ثُمَّ يَصِلُ الجاريَ بِالمَحبوسِ وَصلاً مَمدوداً لا يَنقَطِع، فهو حَبلٌ يُلقى نَحوَ ما عِندَ الغَير، لا قَبضةٌ تُغلَقُ على ما في اليَد.

والنَّفيُ هُنا واقِعٌ على هذا الحَبلِ نَفسِه، فهو حَبلٌ لم يُلقَ أصلاً، ولم يُمَدَّ ثُمَّ يَنقَطِع، كالبِئرِ لا يَنزِلُ فيها دَلو، وعِلّةُ ذلك أنَّ أحَداً لم يَقِفْ على حافَتِها، ولم تَكُنْ عِلَّتُه قِصَرَ الرِّشاء.

فمَن لم يُلقِ حَبلَه لم يَبقَ في يَدِه طَرَفٌ يَومَ يُشَدُّ الحَبلُ من الجِهةِ الأُخرى.

«حِسَابًا»: نَكِرةٌ يَبلُغُها النَّفيُ إلى أدناها

والحِسابُ من الجِذرِ (ح س ب)، ومَعناه احتِواءٌ يَجري فيه المُحتَوى مُتَّصِلاً ثُمَّ يَلتَصِقُ بِصاحِبِه، أي إحاطةٌ تَتَتَبَّعُ التَّفصيلَ حتّى تَلزَقَ بِه صورَتُه، فهو تَتَبُّعٌ وعَدٌّ، بَعيدٌ عن المُفاجَأةِ والعاصِفة، والحاسِبُ يَمُرُّ على الشَّيءِ مَرّةً بَعدَ مَرّةٍ حتّى لا يَبقى فيه ما لم يُلمَس.

وجاءَتِ الكَلِمةُ نَكِرةً في سِياقِ نَفي، فبَلَغَ النَّفيُ أدنى ما يُسَمّى حِساباً، ولَو جاءَت مَعرِفةً لَكانَ المَتروكُ حِساباً بِعَينِه يُنتَظَرُ في يَومٍ مَعلوم، فلَمّا جاءَت مُنَكَّرةً لم يَبقَ تَحتَها قَدرٌ يُرجى.

ثُمَّ تَعودُ الكَلِمةُ نَفسُها قُربَ خِتامِ السّورةِ من الجِهةِ المُقابِلة: جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾، فاللَّفظُ الواحِدُ يَقَعُ مَرَّتَين، مَرّةً لا يُرجى فيُلقى، ومَرّةً يُرجى فيُعطى.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ الأرضَ التي وافَقَها الجَزاء. فـ«إنَّهُم كانوا» تَوكيدٌ ثُمَّ حالٌ مُقيمة، لا مَوقِفٌ في يَوم. والمَنفِيُّ رَجاءٌ (ر ج و)، وهو بِطَبعِه حَبلٌ مَمدودٌ نَحوَ ما لَيسَ في اليَد، والنَّفيُ فيه نَفيُ إلقاءٍ لا نَفيُ انقِطاع. والمَتروكُ «حِساباً» (ح س ب)، أي إحاطةٌ جارِيةٌ تَلتَصِقُ بِالتَّفصيل، وقد جاءَ مُنَكَّراً فبَلَغَه النَّفيُ إلى أدناه. فالآيةُ تَصِفُ خَلاءً قَبلَ أن تَصِفَ مُكابَرة، أي مَوضِعاً كانَ يَنبَغي أن يَمتَدَّ مِنه خَيطٌ فلم يَمتَدّ. وحينَ يَعودُ «حِساب» قُربَ خِتامِ السّورةِ عَطاءً، تُبينُ الكَلِمةُ عن بابَينِ لا بابٍ واحِد: مَن لم يَمُدَّ إليه خَيطاً لَقِيَه، ومَن مَدَّ أُعطِيَ مِنه.