النبأ · الآية 28

﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا

«وَكَذَّبُوا»: من خَلاءٍ صامِتٍ إلى دَفعٍ ناطِق

الآيةُ قَبلَها وَصَفَت غِياباً: خَيطٌ لم يُمَدّ. وهذه تَصِفُ حُضوراً: فِعلٌ يُدفَعُ بِه. والواوُ تَعطِفُ الثانِيَ على الأوَّلِ فتُبَيِّنُ أنَّهُما وَجهانِ لِحالٍ واحِدة. ما يَخلو من الرَّجاءِ لا يَبقى فارِغاً، بل يَمتَلِئُ بِالرَّدّ.

والجِذرُ (ك ذ ب) قَبضةٌ تَكتُمُ ما أمسَكَت، ثُمَّ يَنفُذُ من الكَتمِ حَدٌّ يُحَرِّف، ثُمَّ تَنفَتِحُ الشَّفَتانِ فتُخرِجُ ما حُبِسَ مُحَرَّفاً. فالكَذِبُ في أصلِه لَيسَ سَتراً يُغَطّي، بَل إخراجُ صورةٍ ثانِيةٍ تُوضَعُ مَكانَ الأُولى.

و«كَذَّبَ» على فَعَّل يَنقُلُ الفِعلَ عن صاحِبِه إلى غَيرِه: لَم يَقُلْ هو ما لا يُطابِق، بَل حَكَمَ على ما جاءَه بِأنَّه لا يُطابِق. فصارَ الكَذِبُ حُكماً يُصدِرُه لا خَبَراً يَرويه.

«بِآيَاتِنَا»: فِعلٌ يَتَعَلَّقُ ولا يُغَيِّر

لم يَقَعِ الفِعلُ على مَفعولِه مُباشَرةً، بَل وَصَلَ إليه بِحَرفِ الباء: كَذَّبَ بِـ. والباءُ حَرفُ إلصاق، فالتَّكذيبُ يَلتَصِقُ بِالآيةِ ولا يَدخُلُ فيها. تَبقى العَلامةُ كما هي، والصّورةُ المُحَرَّفةُ تَبقى عِندَ مَن أخرَجَها.

و«الآية» (أ ي ي) قَطعٌ مُؤَكَّدٌ يَسري بِلِين: عَلامةٌ تُقتَطَعُ فتَظهَرُ مُتَمَيِّزة، ثُمَّ يَمتَدُّ عَلَيها الانتِباهُ إلى ما وَراءَها. فالآيةُ لا تَقِفُ عِندَ نَفسِها، هي سَهمٌ لا لَوحة. ومَن رَدَّ السَّهمَ بَقِيَ واقِفاً حَيثُ هو.

ثُمَّ أُضيفَتِ الآياتُ في «آياتِنا»: نِسبةٌ تُعَيِّنُ صاحِبَ العَلامةِ فيَصيرُ الرَّدُّ واقِعاً على مَنسوبٍ مَعروفٍ لا على مَجهولٍ يُتَشَكَّكُ فيه.

«كِذَّابًا»: مَصدَرٌ يَزِنُ الفِعلَ ولا يُعيدُه

جاءَ المَصدَرُ على فِعّال، فبِناؤُه مُشَدَّدُ الوَسَطِ مَمدودٌ بَعدَه. وهو لا يُضيفُ خَبَراً جَديداً إلى الفِعلِ الذي سَبَقَه، إنَّما يَزِنُه: كَم كان، وعَلى أيِّ مِقدارٍ وَقَع. التَّشديدُ في البِناءِ يُقابِلُ تَشديداً في الفِعل.

والحَرفُ المُضاعَفُ هو الذّالُ نَفسُها، وهي في الجِذرِ مَوضِعُ النَّفاذِ الحادّ. فمُضاعَفَتُها مُضاعَفةُ الحَدِّ الذي يَنفُذُ بِه التَّحريف. لَم يَكُنْ رَدّاً واحِداً مَرَّ، بَل صَنعةً تَكَرَّرَت حتّى استَوَت عادةً لَها اسم.

ثُمَّ تَعودُ الكَلِمةُ بِعَينِها في السّورةِ نَفسِها من الجِهةِ المُقابِلة: لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾. فما مَلَأَ الأفواهَ هُنا هو ما تَخلو مِنه الآذانُ هُناك. والكَلِمةُ الواحِدةُ تُقاسُ بِها الجِهَتان.


حَصيلة

تُتِمُّ الآيةُ الصّورةَ التي بَدَأَت بِغِياب. الواوُ تَعطِفُ فِعلاً على حال: مَوضِعٌ خَلا من الرَّجاءِ امتَلَأَ رَدّاً. و«كَذَّبوا» (ك ذ ب) على فَعَّل: إمساكٌ يَكتُمُ ثُمَّ يُخرِجُ صورةً ثانِيةً مَكانَ الأُولى، وقد نُقِلَ الحُكمُ من القائِلِ إلى المَقولِ له. وباءُ الإلصاقِ تَجعَلُ الفِعلَ مُتَعَلِّقاً بِالآيةِ غَيرَ داخِلٍ فيها، والآيةُ (أ ي ي) عَلامةٌ مَقطوعةٌ يَمتَدُّ بِها الانتِباهُ إلى غَيرِها فتَبقى دالَّةً وإن رُدَّت. ثُمَّ يَجيءُ «كِذّاباً» مَصدَراً مُشَدَّداً يَزِنُ الفِعلَ لا يُعيدُه: مُضاعَفةٌ في الحَرفِ تُقابِلُ مُضاعَفةً في الصَّنعة. وحينَ تَعودُ الكَلِمةُ نَفيًا في مَوضِعِ النَّعيم، يُعرَفُ أنَّ ما بُنِيَت عَلَيه الدُّنيا هُنا هو أوَّلُ ما يُنزَعُ هُناك.