الانفطار · الآية 5

﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ

«عَلِمَتْ نَفْسٌ»: الفاعِلُ الأوَّلُ في السّورة

أربَعةُ مَشاهِدَ مَضَت لا فاعِلَ يُسَمّى فيها. ثُمَّ يَنزِلُ الجَوابُ فإذا فيه ثَلاثةُ أفعالٍ مَعلومةٍ لِفاعِلٍ واحِد: «عَلِمَتْ» و«قَدَّمَتْ» و«وَأَخَّرَتْ». وكُلُّها لِلنَّفس. في السّورةِ إلى هُنا لا يَفعَلُ أحَدٌ إلّا هي.

والجِذرُ ع-ل-م وَسمٌ يَطلُعُ من الباطِنِ فيَستَقِرُّ صورةً فارِقة. فالعِلمُ في هذا المَوضِعِ لَيسَ خَبَراً يُساقُ إلَيها من خارِج، بل عَلامةٌ ظَهَرَت في مَحَلِّها. ولِذلك لم يُقَلْ «أُخبِرَت نَفسٌ»، قيلَ «عَلِمَتْ».

و«نَفْسٌ» نَكِرةٌ مُفرَدة، وقد وَسِعَتِ المَشاهِدُ الأربَعةُ ما فَوقَ الرَّأسِ وما تَحتَ القَدَم. يُفتَحُ المَنظورُ كُلُّه، ثُمَّ يَنتَهي الخِطابُ إلى واحِدةٍ لا تُعَيَّنُ ولا تُعَدّ. وهكذا يَصيرُ ما وَسِعَ المَشهَدَ خاصّاً بِمَن يَسمَع.

«مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ»: فِعلانِ في جِهَتَينِ ويَدٌ واحِدة

الجِذرُ ق-د-م انعِقادٌ يَثبُتُ في مَوضِعِه ثُمَّ يُلاصِقُ مَحَلَّه فيَستَقِرُّ فيه. فالتَّقديمُ وَضعُ الشَّيءِ أمامَكَ ليَستَقبِلَك. وما قُدِّمَ لا يَعودُ إلى اليَدِ التي أرسَلَته، يَقِفُ في الطَّريقِ يَنتَظِرُ صاحِبَه.

والجِذرُ أ-خ-ر إثباتُ فَضاءٍ وراءَ ما يُدرَكُ ثُمَّ امتِدادٌ فيه لا يَنقَطِع. فالتَّأخيرُ دَفعُ الشَّيءِ إلى ما وراءَ النَّظَر. ولَيسَ التَّأخيرُ تَركاً: التَّرْكُ لا فِعلَ فيه، والتَّأخيرُ فِعلٌ لَه فاعِلٌ ومَوضِعٌ يُدفَعُ إلَيه.

وكِلا الفِعلَينِ مُتَعَدٍّ، وكِلاهُما لِلنَّفسِ نَفسِها، وهُما في جِهَتَينِ مُتَقابِلَتَين. فلَيسَ المَعلومُ حِسابَينِ مُختَلِفَين، بل حَرَكةُ يَدٍ واحِدةٍ نَحوَ الأمامِ ونَحوَ الوَراء. والمَعلومُ يَشمَلُ الجِهَتَين: ما دُفِعَ إلى الخَلفِ يُعلَمُ كما يُعلَمُ ما أُرسِلَ إلى الأمام.

الفَرقُ بَينَ ما أُحضِرَ وما رُتِّب

ويُسمَعُ صَدرُ هذه الجُملةِ في مَوضِعٍ آخَرَ ثُمَّ يَفتَرِقانِ عِندَ المَفعول: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾. الكَلِمَتانِ الأُولَيانِ واحِدة، والثالِثةُ هي الفَرق.

هُناكَ فِعلٌ واحِدٌ يَسوقُ كُلَّ شَيءٍ إلى المَوقِف، فيَجتَمِعُ المَعلومُ في حاضِرٍ واحِدٍ لا قَبلَ فيه ولا بَعد. وهُنا فِعلانِ يَبسُطانِ المَعلومَ عَلى مِحوَر: هذا أمامَكَ وهذا خَلفَك. ذاكَ يَقرَأُ المَجيءَ إلى المَشهَد، وهذا يَقرَأُ التَّرتيبَ الذي رَتَّبتَهُ بِيَدِك.

ولِذلك جاءَ هذا المَوضِعُ بَعدَ أربَعةِ مَواضِعَ فُتِحَ فيها كُلُّ مُغلَق. المُغلَقاتُ فُتِحَت ولم تُسأَلْ عن شَيء، والنَّفسُ فُتِحَ لَها ما رَتَّبَتْ فعَلِمَته. لا يُقالُ لَها ما فَعَلَت، تَرى ما وَضَعَت وأينَ وَضَعَتْه.


حَصيلة

أربَعةُ مَشاهِدَ بِلا فاعِلٍ يُسَمّى، ثُمَّ جَوابٌ فيه ثَلاثةُ أفعالٍ مَعلومةٍ فاعِلُها واحِد. «عَلِمَتْ» (ع-ل-م) وَسمٌ يَطلُعُ من الباطِنِ فيَستَقِرُّ صورةً فارِقة، لا خَبَراً يُساقُ من خارِج. و«نَفْسٌ» (ن-ف-س) ما يَنبَعِثُ من الباطِنِ فيَخرُجُ ويَسري، جاءَت مُفرَدةً مُنَكَّرةً بَعدَ مَشاهِدَ وَسِعَت ما فَوقَ الرَّأسِ وما تَحتَ القَدَم. و«قَدَّمَتْ» (ق-د-م) إرسالٌ يَستَقِرُّ أمامَ صاحِبِه، و«وَأَخَّرَتْ» (أ-خ-ر) دَفعٌ إلى ما وراءَ النَّظَر، فِعلانِ مُتَعَدِّيانِ في جِهَتَينِ ويَدٌ واحِدة، والمَعلومُ يَشمَلُ الجِهَتَين. ويُسمَعُ صَدرُ الجُملةِ في مَوضِعٍ آخَرَ فيَفتَرِقانِ عِندَ المَفعول: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾. هُناكَ ما سيقَ إلى المَوقِفِ فاجتَمَعَ في حاضِرٍ واحِد، وهُنا ما رُتِّبَ على مِحوَرِ الأمامِ والخَلف. تُفتَحُ الأبوابُ كُلُّها فلا تُسأَلُ عن شَيء، وتُفتَحُ النَّفسُ فتَرى بِيَدِها ما وَضَعَت.