الانفطار · الآية 6

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ

«يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ»: نِداءٌ يُسَمّي المُخاطَبَ بِطَبعِه

يَنتَقِلُ الخِطابُ من الغَيبةِ إلى المُواجَهة، فبَعدَ أن كانَ الحَديثُ عن مَشاهِدَ تَقَعُ وعن نَفسٍ تَعلَم، صارَ نِداءً في وَجهِ مَن يَسمَع، والنِّداءُ لا يُبقي لِأحَدٍ مَوضِعاً خارِجَ الكَلام.

والإنسانُ من أ-ن-س، وهو ظُهورٌ مُستَمِرٌّ يَسكُنُ إلَيه غَيرُه، ومِنه «الأُنسُ» ضِدُّ الوَحشة، و«آنَسَ الشَّيءَ» إذا أبصَرَه فاطمَأَنَّ إلَيه. فالمُنادى مُسَمًّى بِقُدرَتِه على الأُلفةِ والسُّكونِ إلى ما حَولَه، وعلى هذه القُدرةِ يَدورُ السُّؤالُ الآتي.

وأداةُ التَّعريفِ هُنا لِلجِنس، تَستَغرِقُ الأفرادَ ولا تُعَيِّنُ واحِداً مِنهُم، فلا يُشارُ في الآيةِ إلى أحَدٍ بِإصبَع، ويَدخُلُ فيها كُلُّ مَن يَسمَعُ الاسمَ فيَعرِفُ أنَّه هو.

«مَا غَرَّكَ»: سُؤالٌ عن شَيءٍ لا عن أحَد

وجاءَتِ الأداةُ «مَا» دونَ «مَن»، والسُّؤالُ بِـ«مَا» يَطلُبُ شَيئاً أو حالاً، والسُّؤالُ بِـ«مَن» يَطلُبُ ذاتاً تَعقِل، فالمَطلوبُ في الجَوابِ شَيءٌ لا شَخص.

والغُرورُ من غ-ر-ر، وهو سِترٌ كَثيفٌ رَخوٌ لا يَقطَعُ ما يَستُرُه، ثُمَّ جَريانٌ خَفيفٌ يَتَكَرَّر، فهو سَطحٌ لا يَزالُ يَتَحَرَّكُ حتّى يَشغَلَ مَوضِعَ ما وَراءَه، وليسَ كَذِباً يُقالُ ولا حُفرةً تُحفَر. وهو لا يُنشِئُ شَيئاً ولا يَمنَعُ النَّظَر، ويَعمَلُ بِالحَرَكةِ لا بِالقَول.

وبِهذا تَتَّفِقُ الأداةُ والجِذر، فما يَغُرُّ سَطحٌ يَسكُنُ إلَيه المَغرور، وليسَ خَصماً يُواجِهُه، ولِذلك جاءَ السُّؤالُ عن «مَا»: يُطلَبُ من المُخاطَبِ أن يُسَمِّيَ الشَّيءَ الذي انزَلَقَ عَلَيه، والفَراغُ الذي تَرَكَتهُ الآيةُ بَعدَ الأداةِ هو مَوضِعُ جَوابِه.

«بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ»: الجِهةُ التي لا تَقبِض

وعُدِّيَ الفِعلُ بِالباءِ في «بِرَبِّكَ»، وعُدِلَ عن «ما غَرَّكَ عن رَبِّك»، والباءُ تُلصِقُ الغُرورَ بِمَحَلِّه، فالانزِلاقُ واقِعٌ في شَأنِ رَبِّكَ نَفسِه، زِيادةً على الغَفلةِ عَنه.

وأصلُ ر-ب-ب جَريانٌ يَلتَصِقُ ويَدوم، أي مُلازَمةٌ في النُّمُوِّ لا تَنفَكّ، فالمُخاطَبُ مُنزَلِقٌ في شَأنِ الجِهةِ التي لم تُفارِقهُ لَحظة، والإضافةُ إلى الكافِ تُثَبِّتُ ذلك، فقد جاءَ «بِرَبِّكَ» ولم يَجِئ «الرَّبّ».

والكَريمُ من ك-ر-م، ومادَّتُه إمساكٌ خَفيفُ اللَّمسةِ ثُمَّ نَفاذٌ يَمتَدُّ إلى خارِجِه، أي ما صِينَ بِلَمسةٍ خَفيفةٍ ثُمَّ خَرَجَ مُستَرسِلاً، فالكَريمُ مَن يُعطي ولا يَقبِض. ومَحَلُّ الحِدّةِ في الآيةِ أنَّ الصِّفةَ التي ذُكِرَت هي نَفسُها المَجالُ الذي جَرى فيه السَّطح، فاليَدُ التي تَقبِضُ لا تَترُكُ فُرجةً يُنزَلَقُ فيها، وما لا يَقبِضُ صاحِبَه يَترُكُ لَه أن يَنزَلِق.


حَصيلة

يَنتَقِلُ الخِطابُ إلى المُواجَهة، ويُسَمّى المُنادى بِـ«الْإِنسَانُ» من أ-ن-س، وهو ظُهورٌ مُستَمِرٌّ يَسكُنُ إلَيه غَيرُه، فالاسمُ نَفسُه يَحمِلُ القُدرةَ على الأُلفةِ التي يَدورُ عَلَيها السُّؤال، وأداةُ التَّعريفِ لِلجِنسِ لا تُعَيِّنُ أحَداً. ثُمَّ جاءَ «مَا غَرَّكَ» بِأداةِ «مَا» لا بِـ«مَن»، فالمَطلوبُ شَيءٌ أو حالٌ لا ذاتٌ تَعقِل، ويُوافِقُ ذلك الجِذرَ غ-ر-ر، ومَعناه سِترٌ لا يَقطَعُ ثُمَّ جَريانٌ خَفيفٌ يَتَكَرَّر، أي سَطحٌ يَشغَلُ مَوضِعَ ما وَراءَه ولا يَمنَعُ النَّظَر. ثُمَّ «بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ»، والباءُ فيه تُلصِقُ الانزِلاقَ بِشَأنِ الرَّبِّ نَفسِه، ور-ب-ب جَريانٌ يَلتَصِقُ ويَدومُ فلا يُفارِق، وك-ر-م إمساكٌ خَفيفُ اللَّمسةِ ثُمَّ عَطاءٌ يَستَرسِل. فالسُّؤالُ يَفتَحُ فَراغاً بَعدَ الأداةِ ويَترُكُه لِلمَسؤول، ويَضَعُ إلى جانِبِه صِفةً هي نَفسُها المَجالُ الذي جَرى فيه ما جَرى، وما لا يَقبِضُ صاحِبَه يَترُكُ لَه أن يَنزَلِق.