الانفطار · الآية 4

﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ

«الْقُبُورُ»: حُفرةٌ تَطوي ما أُودِعَ فيها

الجِذرُ ق-ب-ر قَطعٌ في الأرضِ يَحتَبِسُ فيه ما وُضِعَ فيه، ثُمَّ إمساكٌ يَلتَحِمُ عَلَيه فلا يَنكَشِف. فالقَبرُ في الكَلِمةِ إغلاقٌ لاصِق، وِعاءٌ يُطبَقُ عَلى ما أُودِعَ فيه.

وهذا آخِرُ الأربَعةِ وأدناها. كانَ الأوَّلُ فَوقَ الرَّأس، ثُمَّ ما اجتَمَعَ في العُلُوّ، ثُمَّ ما امتَدَّ عَلى الأرض، ثُمَّ ما انطَوى تَحتَها. فالنَّظَرُ يَنزِلُ في الآياتِ الأربَعِ نُزولاً مُتَّصِلاً حتّى يَبلُغَ ما تَحتَ القَدَم.

«بُعْثِرَتْ»: قَلبٌ يَجعَلُ الباطِنَ ظاهِراً

الجِذرُ ب-ع-ث-ر رُباعِيٌّ يَجمَعُ حَرَكَتَين: إخراجُ ما احتُبِسَ من عُمقِه، ثُمَّ تَفَشٍّ دَقيقٌ يَجري. فالبَعثَرةُ لَيسَت إخراجاً مُرَتَّباً، هي قَلبُ المَوضِعِ حتّى يَصيرَ أسفَلُه أعلاه.

ولِذلك قيلَ في كَلامِ العَرَبِ «بَعثَرَ المَتاعَ» إذا قَلَبَه وبَدَّدَ ما فيه، و«بَعثَرَ التُّرابَ» إذا أثارَه فأخرَجَ ما تَحتَه. والفِعلُ لا يَقَعُ إلّا عَلى ما لَه باطِنٌ مَستور: ما لا مَخبوءَ فيه لا يُبَعثَر.

وجاءَ مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه كالذي قَبلَه. فالمُطبَقُ الذي كانَ يُخفي صارَ هو المَعروضَ، والوِعاءُ الذي بُنِيَ لِيَستُرَ لم يَبقَ لَه ما يَستُرُه.

أربَعةُ أسماءٍ تُمسِك، وأربَعةُ أفعالٍ تَفتَح

قِفْ عِندَ الأسماءِ الأربَعةِ مَعاً. السَّمَاءُ﴾ ما عَلا فأَظَلَّ، والْكَوَاكِبُ﴾ ما اجتَمَعَ فأُمسِك، والْبِحَارُ﴾ ما اتَّسَعَ بَينَ حَدَّينِ يُمسِكانِه، و«الْقُبُورُ» ما أُطبِقَ على ما فيه. أربَعةُ أسماءٍ لا يَقومُ واحِدٌ مِنها إلّا بِإمساك.

ثُمَّ قِفْ عِندَ الأفعال. شَقٌّ يَنفَتِح، وانفِراطٌ يَتَساقَط، وحاجِزٌ يُرفَع، ووِعاءٌ يُقلَب. أربَعةُ أفعالٍ لَيسَ فيها إفناءٌ ولا إعدام: كُلُّها فَتحٌ لِما كانَ مُغلَقاً.

ولا يُذكَرُ في الأربَعِ فاعِلٌ واحِد. أربَعةُ أفعالٍ تَجري والفاعِلُ مَطوِيٌّ في كُلِّها، فيَبقى المَشهَدُ كُلُّه بِلا يَدٍ ظاهِرة. ثُمَّ تَجيءُ الآيةُ الخامِسةُ فيَظهَرُ في الجَوابِ فاعِلٌ واحِدٌ يُسَمّى.


حَصيلة

«الْقُبُورُ» من ق-ب-ر: قَطعٌ في الأرضِ يَحتَبِسُ ما وُضِعَ فيه ثُمَّ يَلتَحِمُ عَلَيه، وِعاءٌ يُطبَقُ فيَستُر، وهو أدنى الأربَعةِ بَعدَ نُزولٍ مُتَّصِلٍ من فَوقِ الرَّأسِ إلى تَحتِ القَدَم. و«بُعْثِرَتْ» من ب-ع-ث-ر: إخراجُ ما احتُبِسَ من عُمقِه في تَفَشٍّ يَجري، قَلبُ المَوضِعِ حتّى يَصيرَ باطِنُه ظاهِرَه، ولا يَقَعُ الفِعلُ إلّا على ما لَه مَخبوء. وبِهِما تَتِمُّ أربَعةُ أسماءٍ لا يَقومُ واحِدٌ مِنها إلّا بِإمساك، وأربَعةُ أفعالٍ لَيسَ فيها إفناءٌ بل فَتحٌ لِما كانَ مُغلَقاً، والفاعِلُ مَطوِيٌّ في الأربَعِ جَميعاً. فالمَشهَدُ الذي يَسَعُ ما فَوقَ الرَّأسِ وما تَحتَ القَدَمِ يُعرَضُ كُلُّه بِلا يَدٍ تُسَمّى، حتّى إذا نَزَلَ الجَوابُ كانَ فيه فاعِلٌ واحِدٌ يُذكَر. ولَيسَ في الأربَعِ خَرابٌ يُذكَر: فيها أنَّ كُلَّ مُغلَقٍ يُفتَح.