البلد · الآية 6
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«يَقولُ»: قَولٌ يَفضَحُ صاحِبَه
الفِعلُ «يَقولُ» مُضارِعٌ يَحكي لِساناً ناطِقاً بِما في الصَّدر. لم يُنسَب القَولُ إلى اسمٍ، بل تُرِكَ مَوصولاً بِمَن سَبَقَ ذِكرُه ممَّن يَحسَبُ ألّا يَقدِرَ عليه أحَد. فالآيةُ لا تَصِفُ فِعلَه فَحَسب، بل تَنقُلُ نُطقَه كما هو، فَيَشهَدُ القَولُ على القائِلِ مِن فيهِ نَفسِه. والذي يُخرِجُ مِثلَ هذا القَولِ إنَّما يَكشِفُ ما اطمَأَنَّ إليه قَلبُه: أنَّ ما أنفَقَ مَفخَرَةٌ تُحكى، لا حِسابٌ يُخشى.
وفي تَركِ القَولِ مَفتوحاً على لِسانِه إيذانٌ بأنَّ المُحاسَبَةَ تَبدَأُ مِن الكلامِ قَبلَ الفِعل. فالقائِلُ يَزِنُ نَفسَه بِما يَنطِق، وهو لا يَدري أنَّ كلامَه يُعَدُّ عليه. ومَن تَأمَّلَ ما بَعدَه عَرَفَ أنَّ هذا الظَّنَّ بِالقَولِ سَيُقابَلُ بِسؤالٍ: «أيَحسَبُ أن لم يَرَهُ أحَد».
«أَهلَكتُ»: إنفاقٌ يُسَمّى إتلافاً
الجِذرُ ه-ل-ك يَدورُ على ذَهابِ الشَّيءِ وانقِطاعِه حتّى لا يُرجى. الهالِكُ مَن سَقَطَ فلم يَقُم، والهَلَكةُ المَهواةُ التي يَنحَدِرُ فيها الشَّيءُ إلى غَيرِ رَجعة، والمُهلِكُ مَن يَدفَعُ الشَّيءَ إلى هذا الانقِطاع. فحينَ يَقولُ «أهلَكتُ مالاً» فهو يَصِفُ إنفاقَه بأنَّه إتلافٌ وإذهابٌ، لا اقتِناءٌ ولا نَفع.
والعَجيبُ أنَّه يَجعَلُ الإهلاكَ مَفخَرَةً. الكلمةُ التي تَحمِلُ الذَّهابَ والانقِطاعَ يَنطِقُ بها مُفتَخِراً، كأنَّ كَثرةَ ما أتلَفَ شاهِدٌ على عُلُوِّه. فالآيةُ تَلتَقِطُ هذا الانقِلابَ: مالٌ يُذهَبُ في غَيرِ مَوضِعِه، ثُمَّ يُحكى ذَهابُه على أنَّه مَجد. والجِذرُ نَفسُه يُعيدُ الكلمةَ إلى حَقيقَتِها: ما ذُكِرَ بِلَفظِ الهَلاكِ فقد آلَ إلى الهَلاك.
«مالاً لُبَداً»: كَثرةٌ مُتَلَبِّدةٌ لا تَنفَع
«المالُ» من م-و-ل، وهو ما يَميلُ إليه صاحِبُه ويَجمَعُه، فَسُمِّيَ بِميلِ النَّفسِ إليه. و«لُبَداً» من ل-ب-د، واللُّبدُ ما تَراكَمَ بَعضُه على بَعضٍ حتّى تَلاصَقَ والتَأَمَ، يُقالُ «تَلَبَّدَ الشَّعرُ» إذا تَداخَلَ فَصارَ كُتلةً، و«اللِّبدةُ» الصوفُ المُتَراكِبُ. فالمالُ اللُّبَدُ كَثرةٌ مُتَكاثِفةٌ مَجموعةٌ يَركَبُ بَعضُها بَعضاً.
ومَجيءُ «لُبَداً» وَصفاً لِما أُهلِكَ يَزيدُ القَولَ ثِقَلاً: ليسَ المُتلَفُ يَسيراً، بل كَثرةٌ مُتَلَبِّدةٌ كان يُمكِنُ أن تُمسَكَ وتُوضَعَ في مَوضِعِها. غَيرَ أنَّ التَّلَبُّدَ نَفسَه إشارةٌ خَفِيّةٌ: ما تَلَبَّدَ تَكَدَّسَ ساكِناً لا يَجري، وقد ذُكِرَ في ما سَبَقَ طَريقٌ لم يُقتَحَم، وإطعامٌ في يَومِ مَسغَبة. فالكَثرةُ التي تَلَبَّدَت ثُمَّ أُذهِبَت في غَيرِ مَوضِعِها هي عَينُ ما كان يَنبَغي أن يَجري في طَريقِ العَقَبة.
حَصيلة
تَنقُلُ الآيةُ قَولاً مِن فَمِ صاحِبِه: «يَقولُ» يَحكي لِساناً يَفضَحُ ما في القَلب. والمَقولُ «أهلَكتُ مالاً لُبَداً»: فِعلُ «أهلَكتُ» من ه-ل-ك ذَهابٌ وانقِطاعٌ لا يُرجى، فَهو يَصِفُ إنفاقَه بأنَّه إتلافٌ ثُمَّ يَفتَخِرُ بِالإتلاف. و«المالُ» من م-و-ل ما تَميلُ إليه النَّفسُ فَتَجمَعُه، و«لُبَداً» من ل-ب-د كَثرةٌ مُتَراكِبةٌ مُتَلاصِقةٌ ساكِنةٌ لا تَجري. فالآيةُ تُقيمُ كَثرةً مُتَلَبِّدةً أُذهِبَت في غَيرِ مَوضِعِها، وجُعِلَ ذَهابُها مَفخَرةً، والجِذرُ يَرُدُّها إلى حَقيقَتِها: ما ذُكِرَ بِلَفظِ الهَلاكِ فقد آلَ إلى الهَلاك، وما تَلَبَّدَ ساكِناً كان أحَقَّ أن يَجريَ في طَريقِ العَقَبة.