البقرة · الآية 115
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
جذرا (ش ر ق) و(غ ر ب): طَرَفانِ كَونيّانِ لا قُدسيَّةَ ذاتيَّةَ لَهُما
«المَشرِق» من (ش ر ق): موضِعُ انتِشارِ النُّورِ وبُروزِه. «المَغرِب» من (غ ر ب): موضِعُ احتِجابِ النُّورِ ودُخولِه في الباطِن. هُما نِهايَتا اليَومِ على الأَرض، يَلتَقِيان في مِلكِ المَصدَر. قَولُه وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَنفي القُدسيَّةَ الذّاتيَّةَ عن أيِّ جِهَة: الجِهَةُ مَملوكَةٌ لا عابِدَةٌ ولا مَعبودَة، ومَن حَصَرَ التَّوجُّهَ في جِهَةٍ بِعَينِها فَقَد وَضَعَ مِلكاً مَحدوداً مَكانَ المالِكِ المُطلَق.
جذر (و ل ي) في «تُوَلُّوا»: التَّوجيهُ الاختياريُّ لِلوَجه
«تُوَلُّوا» من (و ل ي): تَجعَلونَ وَجهَكُم يَلي جِهَةً ما. الجذرُ فيه مَعنى القُربِ والنُّصرَةِ والتَّبعيَّة (كَما في «مَولى» و«وَليّ»)، فَتَوليَةُ الوَجهِ ليسَت التِفاتاً بَصَريّاً فَحَسب، بَل اختِيارٌ لِمَن تُنسَبُ إليهِ حَضرَتُك. وفِعلُ المُضارِع أَيْنَمَا تُوَلُّوا يَنقُلُ الحُكمَ عَنِ الماضِيِ إلى الفِعلِ الحاضِرِ المُستَأنَف: كُلُّ تَوجيهٍ جَديدٍ لِلوَجهِ يَستَقبِلُه المَصدَرُ بِحَضرَةٍ مُقابِلَة، لا جِهَةَ تَخلو من وَجه.
«وَجْهُ اللَّهِ»: الجِهَةُ التي يُواجَهُ بِها، لا عُضوٌ مُضافٌ إليه
«الوَجه» في العَرَبيَّةِ لَيسَ العُضوَ وَحدَه، بَل الجِهَةُ التي يُواجَهُ بِها الشَّيءُ (كَما يُقالُ: «وَجهُ الأَرضِ» و«وَجهُ الأَمر»). فَـفَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ يُثبِتُ أنَّ المُوَجَّهَ إليهِ حاضِرٌ في كُلِّ اتِّجاه، لا يَحتَكِرُه مِحرابٌ ولا بِناء. والآيَةُ بِهِذا المَعنى مُكَمِّلَةٌ لِلسّابِقَة (مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ [114]): الحاجِزُ البَشَريُّ عن بِناءٍ لا يَقطَعُ الصِّلَةَ بِالمَصدَر، لأنَّ المَصدَرَ أوسَعُ مِنَ المَبنى.
جذر (و س ع) في «وَاسِع»: سَعَةُ المَصدَرِ تَنفي احتِكارَ الاتِّجاه
«واسِع» من (و س ع): احتِواءٌ يَمتَدُّ بِدِقَّةٍ حَتّى لا يُحاطَ بِطَرَف. الاسمُ لَيسَ وَصفاً لِلمَكان، بَل لِلمَصدَرِ ذاتِه: لا يُحَدُّه مَكانٌ ولا اتِّجاه، ولا يُزاحِمُه تَوَجُّهٌ آخَر. ومَنَ ادَّعى أنَّ اللهَ يَختَصُّ بِجِهَةٍ أو بِكَنيسَةٍ أو بِطائِفَةٍ فَقَد خَصَّ الواسِعَ بِحَيِّزٍ لا يَسَعُه.
«عَلِيم»: السَّعَةُ لا تَعني تَساويَ التَّوجيهات
ختمُ الآيَةِ بـ«عَليم» يُوازِنُ السَّعَة: الحَضرَةُ في كُلِّ جِهَةٍ لا تَعني أنَّ كُلَّ تَوجيهٍ مَقبولٌ دونَ تَمييز. «العَليم» يَعلَمُ مَن وَجَّهَ وَجهَه إليهِ حَقّاً ومَنِ اتَّخَذَ السَّعَةَ ذَريعَةَ إهمال. فالسَّعَةُ بابٌ مَفتوح، والعِلمُ مِيزانُ الدّاخِل.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «المَشرِقُ والمَغرِب» طَرَفانِ مَملوكان لا مَقدَّسان بِذاتِهِما، و«التَّولية» اختِيارُ مَن يَلي وَجهَك، و«الوَجه» جِهَةٌ تُواجَه لا عُضوٌ مُضاف، و«الواسِع» يَنفي احتِكارَ الاتِّجاه، و«العَليم» يَحفَظُ المِيزانَ بِأنْ يَعلَمَ صِدقَ التَّوجيهِ لا مُجَرَّدَ الحَرَكَةِ نَحوَ جِهَة.
حَصيلة
مِن جِذرِ ش-ر-ق المَشرِقُ موضِعُ انتِشارِ النُّورِ بِقُوَّة، ومِن جِذرِ غ-ر-ب المَغرِبُ موضِعُ احتِجابِه واختِفائِه؛ وكِلاهُما في ملكِ المَصدَر، فَلا قُدسيَّةَ ذاتيَّةَ لِجِهَةٍ دونَ أُخرى. ومِن جِذرِ و-ل-ي تَعني «تُوَلُّوا» أن تَجعَلَ وَجهَك يَلي جِهَةً، بمعنى قُرب الوَلاءِ والتَّبَعِيَّة، لا مُجَرَّدَ التِفاتٍ بَصَريّ؛ فكُلُّ توجيهٍ جَديدٍ هو اختِيارٌ لِمَن يَستَقبِلُ حَضرَتَك. ومِن جِذرِ و-ج-ه الوَجهُ في العَرَبيَّةِ هو الجِهَةُ التي يُواجَهُ بِها الشَّيء، فـ«وَجهُ الله» جِهَةُ الحَضرَةِ لا عُضوٌ مُضاف، وهي تُوجَدُ في كُلِّ اتِّجاه؛ لا يَحتَكِرُها مِحرابٌ ولا بِناء. وهنا تَتَّصِلُ هذِه الآيَةُ بِالسّابِقَةِ اتِّصالاً مَبدَئِيّاً: مَن سَعى في تَخريبِ مَوضِعِ السُّجودِ لا يَقطَعُ الصِّلَةَ بِالمَصدَر، لأنَّ المَصدَرَ مِن جِذرِ و-س-ع واسِعٌ لا يَحُدُّه مَكانٌ ولا اتِّجاه. غيرَ أنَّ الآيَةَ تُوازِنُ السَّعَةَ بِـ«عَليم» مِن جِذرِ ع-ل-م: إحاطَةٌ داخِلِيَّةٌ مَختومَةٌ تُفَرِّقُ بَينَ مَن وَلَّى وَجهَه حَقّاً وبَين مَن اتَّخَذَ السَّعَةَ مَعذِرَة. باب السَّعَةِ مَفتوحٌ في كُلِّ جِهَة، والمِيزانُ لِمَن يَعلَمُ صِدقَ التَّوجيه.