البقرة · الآية 25

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

«بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» (ب ش ر، ع م ل، ص ل ح): ثُنائيّةُ العَهدِ والعَمَل

الإيمانُ من جذرِ (أ م ن)، ومَعناه الإمضاءُ الداخليُّ على عَهد، والعَمَلُ من (ع م ل) فِعلٌ مُمتَدٌّ يُحدِثُ أثَراً، والصَّلاحُ من (ص ل ح) إعادةُ الشَّيءِ إلى استِقامتِه. فالثُّنائيّةُ «آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحات» تُفيدُ عَهداً داخليّاً (الإيمان) يَتَرَجَّمُ إلى أفعالٍ تُرَمِّمُ الاختِلال (عَمَلُ الصَّالحات). والبِشارةُ من (ب ش ر)، وهي الإعلانُ الذي يَظهَرُ أثَرُه على وَجهِ المُتَلَقّي، ولا يَقِفُ مَعناها عِندَ «الإخبار»، فمَعنى «بَشِّر»: اجعَلْ خَبَرَك يَفرُشُ البَشَرةَ بالنور.

«جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ» (ج ن ن، ن هـ ر): ظِلٌّ واستِقرارُ جَريان

والجَنّةُ من جذرِ (ج ن ن)، ومَدارُه على الحَجبِ والسَّتر، ومنه «الجَنين» أي المَستور، و«المَجانين» لِمَن حُجِبَ عَقلُهم، و«الجَنّة» لِلحَديقةِ الكثيفةِ التي تَستُرُ مَن يَدخُلُها. والجَنّةُ حَيِّزٌ ساتِرٌ يَكتُمُ دُخولَ مَن يَدخُلُه، وليسَت فَضاءً مَفتوحاً. والأنهارُ من جذرِ (ن هـ ر)، وهو الجَريانُ الواسِعُ الدائم، ومَوقِعُ الجَريانِ «من تَحتِها» يُفيدُ أنّ الماءَ يَجري تَحتَ الظِّلّ، فتَحتَ كُلِّ سِترٍ هناكَ جَريانٌ مُستَقِرّ. وهذا يُلائِمُ بِنيةَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنيا: يَعمَلُ الصّالِحُ تَحتَ ظِلِّ عَهد، ويَجري مَعه ماءُ الأثَرِ الذي لا يَنقَطِع.

«هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ» (ق ب ل): الرِّزقُ يَحمِلُ بَصمَةَ ما قَدَّمَه صاحِبُه

وأغرَبُ ما في الآيةِ من فِعلٍ أنّهم كُلَّما أُعطُوا ثَمَرةً قالوا «هذا الَّذي رُزِقنا مِن قَبل». و«قَبل» من جذرِ (ق ب ل)، وهو الجِهةُ التي يُواجِهُها المَرءُ فيَستَقبِلُها، ومَعنى «ما رُزِقنا مِن قَبلُ»: ما قَدَّمناه في الدُّنيا وواجَهنا نَتيجتَه هُناك. والآيةُ تَكشِفُ أنّ رِزقَ الجَنّةِ امتِدادٌ لِما زُرِعَ في الأرض، وليسَ طَعاماً غَريباً على الذَّوقِ الدُّنيَوي. وهذا يُحَسِّسُ القارئَ بِخُطورةِ ما يَزرَعُه في عَمَلِه اليَومي، إذ ما سَيَستَقبِلُه في الآخِرة هو بِعَينِه صورةُ ما صَنَعَه في الدُّنيا.

«وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا» (ش ب هـ): التَّطابُقُ بَينَ العَمَلِ والأثَر

ومادّةُ (ش ب هـ) تَطابُقُ صورةٍ مَع صورة، ومنه «يَشبَهُ أباه» أي تَقارَبَتِ الصّورةُ بَينَهُما. والمُتَشابِهُ في الآيةِ المُتَماثِلُ في البَصمة، زيادةً على مَعنى «المُكَرَّر». والثَّمَرةُ الأخيرةُ تَحمِلُ شَبَهَ الثَّمَرةِ الأُولى لأنَّهما تَنتَميانِ إلى العَمَلِ نَفسِه، ومنه نَستَنتِجُ أنّ السُّنّةَ في الآخِرةِ تَطابُقُ الأثَرِ مع الفِعل. ولذلك وُصِفَتِ الأزواجُ بِأنّها «مُطَهَّرةٌ» (جذر ط هـ ر = انعِكاسٌ نَقيٌّ بِلا شَوائِب)، فهي مُعادِلٌ جِنسيٌّ لِما كانَ في الدُّنيا، غَيرَ أنّه بِلا كَدَرٍ ولا تَلَبُّس. والخُلودُ في «خالِدونَ» (جذر خ ل د = ثَباتٌ في حالٍ واحدة) انعِقادُ الحالِ بِلا تَحَوُّل. فالكَلِمةُ تَسبِقُ المَصطلَح، والجَنّةُ امتِدادٌ طَبيعيٌّ لِمَن أمضى عَهداً ونَفَّذَه، وليسَت جائِزةً تُمنَحُ لِأيٍّ كان.


حَصيلة

هذه الصُّورةُ المُقابِلةُ للنَّارِ في الآيةِ السابِقة: نارٌ وَقودُها ما راكَمَه الإنسانُ من تَغطية، وفي مُقابِلِها جَنَّاتٌ (ج-ن-ن: حَيِّزٌ ساتِرٌ يَكتُمُ مَن يَدخُلُه) تَجري من تَحتِها الأنهارُ (ن-ه-ر: جَريانٌ واسِعٌ دائم)، وتَحتَ كُلِّ سِتْرٍ جَريانٌ مُستَقِرّ. والثُّنائيّةُ «آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحات» عَهدٌ داخليٌّ (أ-م-ن: إمضاءٌ مُحاطٌ يَنفُذُ إلى الباطِن) يَتَرجَمُ إلى أفعالٍ تُرَمِّمُ ما اختَلَّ (ص-ل-ح: إعادةُ الشَّيءِ إلى وَظيفتِه). وأغرَبُ تَفصيلٍ في الآيةِ قَولُهم كُلَّما رُزِقوا ثَمَرة: «هذا الذي رُزِقنا من قَبل»، و«قَبل» (ق-ب-ل) ما واجَهَه المَرءُ وقابَلَه في الدُّنيا، فالثَّمَرةُ التي يَستَقبِلونها في الجَنَّةِ تَحمِلُ بَصمةَ ما زَرَعوه هنا. والمُتَشابِهُ (ش-ب-ه: تَطابُقُ صُورةٍ مع صُورة) هو آليَّةُ هذا التَّعَرُّف: ما أنتَجَه المَرءُ يَجِدُه، والأثَرُ يُطابِقُ الفِعلَ. والجَنَّةُ بِهذا امتِدادٌ طَبيعيٌّ لِعَهدٍ أُمضيَ ونُفِّذَ، وليسَت جائزةً تُمنَحُ لِأيٍّ كان، والخُلودُ (خ-ل-د: ثَباتٌ في حالٍ بِلا تَحَوُّل) انعِقادُ هذا الحالِ نِهائيَّاً.