البقرة · الآية 242

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

خِتامٌ بَديعٌ لِلكُتلةِ التَّشريعِيّةِ الكَبيرة. والآياتُ من 221 إلى 241 تَناوَلَتِ الزَّواجَ والطَّلاقَ والعِدّةَ والمُتعةَ والإرضاعَ والأرامِلَ والأولادَ والوَصِيّةَ والصَّلاةَ وَسَطَها، وهي نِظامٌ كامِلٌ لِبِناءِ الأُسرة، ولَيسَت تَفاصيلَ عَرَضِيّة. فيَختِمُ اللهُ هذه الكُتلةَ بِعِبارةٍ واحِدة: «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم آياتِه لَعَلَّكُم تَعقِلون»، وأوثِرَ فيها «تَعقِلون» على «تَعبُدون» و«تَتَّقون». فالتَّشريعُ الأُسَرِيُّ، قَبلَ أن يَكونَ عِبادةً أو تَقوى، مَجالٌ يَختَبِرُ فيه العَقلُ البَشَرِيُّ قُدرَتَه على إدراكِ النَّسَقِ الإلَهِيِّ في العَدالةِ والرَّحمةِ والتَّوازُن. والزَّواجُ والطَّلاقُ مُختَبَرٌ لِلعَقل، والنَّصُّ يَقول: قد بُيِّنَت لَكُمُ الآيات، وآنَ لَكُم أن تَستَخدِموا عُقولَكُم.

١. «كَذلِك»: الإشارةُ إلى ما سَبَق

و«كَذلِك» اسمُ إشارةٍ لِلبَعيدِ المُرَكَّب، يُحيلُ إلى الطَّريقةِ الَّتي جَرى بِها البَيانُ السّابِق: «الكاف» لِلتَّشبيه، و«ذا» لِلمُشارِ إلَيه، و«اللّام» لِلبُعد، و«الكاف» الثّانِيةُ لِلخِطاب. وهذا التَّركيبُ الإشارِيُّ يَنظُرُ إلى عِشرينَ آيةً خَلفَه ويَقول: هكَذا، بِهذه الطَّريقةِ التَّفصيلِيّة، وبِهذا التَّسَلسُلِ البِنيَوِيّ، وبِهذا التَّوازُنِ بَينَ الطَّرَفَين. وهذه الإحالةُ المُكَثَّفةُ تُنَبِّهُ القارِئَ إلى أنَّ الآياتِ السّابِقةَ بِناءٌ واحِدٌ مُتَرابِط، وليسَت تَفاصيلَ مُتَفَرِّقة.

٢. «يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم»: (ب ي ن) والبَيانُ الإلهيّ

وأصلُ (ب ي ن) الوُضوحُ وفَصلُ المُشتَبَهاتِ بَعضِها عن بَعض، فـ«يُبَيِّنُ» بِصيغةِ التَّفعيلِ يُفيدُ الإيضاحَ المُتَدَرِّج. والبَيانُ تَفصيلٌ يَقطَعُ الشَّكَّ ويَفتَحُ لِلعَقلِ طَريقَ التَّطبيق، ولا يَقِفُ عِندَ الإبلاغ. والمُؤَكَّدُ أنَّ اللهَ لم يَتَنَزَّهْ عن التَّفصيلِ في قَضايا الأُسرة، لِأنَّها بُنيةُ المُجتَمَعِ الأوَّل، ومَن أرادَ أن يَبنِيَ مُجتَمَعاً على ضَبابٍ فقد أسَّسَه على الانهِيار، فجاءَ البَيانُ تَفصيلِيّاً لِيَكونَ البِناءُ الأُسَرِيُّ مُحكَماً.

٣. «آياتِه»: (أ ي ي) والعَلاماتُ الدّالَّة

و«آياتِه» جَمعُ «آية»، ومَدارُ الجِذرِ على مَعنى العَلامةِ الدّالّةِ والبُرهان. وتَسمِيةُ هذه الأحكامِ «آياتٍ» مَقصودةٌ أصيلة: هي عَلاماتٌ تُرشِدُ العَقلَ إلى النَّسَقِ الإلَهِيّ، وليسَت قَوانينَ صَمّاءَ مُجَرَّدة. وكُلُّ حُكمٍ في الكُتلةِ التَّشريعِيّةِ السّابِقةِ آيةٌ بِحَدِّ ذاتِه: آيةُ الطَّلاقِ تَدُلُّ على الرَّحمة، وآيةُ المُتعةِ تَدُلُّ على الكَرامة، وآيةُ العِدّةِ تَدُلُّ على التَّرَيُّث، وهكَذا، ومَن عَقَلَ الآياتِ رَأى مَن وَراءَها.

٤. «لَعَلَّكُم تَعقِلون»: (ع ق ل) وسَقفُ المَسؤوليَّة

والجِذرُ (ع ق ل) أصلُه اللُّغَوِيُّ رَبطُ الشَّيءِ ومَنعُه من الانفِلات، ومِنه «عِقالُ البَعير» لِلحَبلِ الَّذي يُقَيِّدُه، فالعَقلُ قُوّةٌ رابِطةٌ بَينَ المُعطَياتِ والنَّتائِج، ومانِعةٌ لِلنَّفسِ من الانفِلاتِ في الشَّهَواتِ والأهواء. واختِيارُ النَّصِّ لِـ«تَعقِلون» دونَ «تَتَّقون» و«تَعبُدون» و«تَتَذَكَّرون» دَقيقٌ جِدّاً، والطَّلاقُ والزَّواجُ مَواطِنُ تَنفَلِتُ فيها النُّفوسُ بِالغَضَبِ والاستِعجالِ والإغراءِ والجَهلِ بِالواقِع، والعَقلُ وَحدَه هو الَّذي يَربِطُ الإنسانَ بِقَراراتِه الواعِيةِ ويُقَيِّدُه عن الأخطاءِ المُتَعَجِّلة. فـ«لَعَلَّكُم تَعقِلون» دَعوةٌ إلى الرُّشدِ في أكثَرِ المَجالاتِ الَّتي يَتَعَرَّضُ فيها الإنسانُ لِلطَّيش.

٥. «لَعَلَّ»: حَرفُ التَّرَجّي والمَسؤوليَّةُ البَشَريَّة

و«لَعَلَّ» حَرفُ تَرَجٍّ يُعَلِّقُ النَّتيجةَ على اختِيارِ المُخاطَب، واللهُ يَضَعُ البَيانَ أمامَ عِبادِه ويَنتَظِرُ تَجاوُبَهُم، ولا يُجبِرُهُم على التَّعَقُّل. وهذا الحَرفُ يَحمِلُ ثَلاثةَ مَعانٍ مُتَراكِبة: التَّرَجّي (أرجو أن تَعقِلوا)، والاستِطاعة (البَيانُ كافٍ لِتَعقِلوا)، والمَسؤولِيّة (إن لم تَعقِلوا بَعدَ هذا البَيانِ فالمَسؤولِيّةُ عَلَيكُم). وقد تَبَيَّنَ أنَّ تَكرارَ الخِتامِ بِهذا الحَرفِ في البَقَرةِ لا يَنفي الجَبرَ ولا يَنفي الحُرِّيّة، وإنَّما يُقَرِّرُ أنَّ المَعرِفةَ الإلَهِيّةَ لا تُلغي الاختِيارَ البَشَرِيّ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «كَذلِكَ» يَربِطُ الآيةَ بِعِشرينَ آيةً قَبلَها فيُعلِنُ وَحدةَ الكُتلةِ التَّشريعِيّة؛ و«يُبَيِّنُ» تَفصيلٌ قاطِعٌ لِلشُّكوك؛ و«آياتِه» عَلاماتٌ تُرشِدُ العَقلَ إلى النَّسَقِ الإلَهِيِّ لا قَوانينُ صَمّاء؛ و«لَعَلَّكُم تَعقِلون» يُثَبِّتُ أنَّ مَجالَ الأُسرةِ مُختَبَرٌ عَقلِيٌّ قَبلَ أن يَكونَ مَجالاً تَعَبُّدِيّاً، فدَورُ العَقلِ في فَهمِ الشَّريعةِ الأُسَرِيّةِ يَسبِقُ دَورَ التَّقوى في الالتِزامِ بِها.


حَصيلة

الآيةُ خِتامٌ يَنظُرُ إلى عِشرينَ آيةً خَلفَه ويَقولُ «كَذلِك»: هكَذا بِهذه الطَّريقةِ التَّفصيلِيّةِ البِنيَوِيّة. وجِذرُ ب-ي-ن في «يُبَيِّنُ» بِصيغةِ التَّفعيلِ إيضاحٌ مُتَدَرِّجٌ يَقطَعُ الشَّكَّ ويَفتَحُ لِلعَقلِ طَريقَ التَّطبيق، وهو تَفصيلٌ لم يَأنَفْ مِنه اللهُ لِأنَّ البِنيةَ الأُسَرِيّةَ أساسُ المُجتَمَعِ الأوَّل. وجِذرُ أ-ي-ي في «آياتِه» تَسمِيةٌ لِهذه الأحكامِ عَلاماتٍ دالّةً على النَّسَقِ الإلَهِيِّ لا قَوانينَ صَمّاء، وكُلُّ حُكمٍ في الكُتلةِ آيةٌ بِحَدِّ ذاتِه. وتُختَمُ الآيةُ بِجِذرِ ع-ق-ل في «تَعقِلون»، وهو الرَّبطُ بَينَ المُعطَياتِ والنَّتائِجِ ومَنعُ النَّفسِ من الانفِلاتِ في الشَّهَواتِ والأهواء، لِأنَّ الزَّواجَ والطَّلاقَ مَواطِنُ تَنفَلِتُ فيها النُّفوسُ بِالغَضَبِ والاستِعجالِ والإغراء؛ و«لَعَلَّ» يُعَلِّقُ النَّتيجةَ على اختِيارِ المُخاطَب: اللهُ وَضَعَ البَيانَ وانتَظَرَ تَجاوُبَ العَقلِ الحُرّ.