البقرة · الآية 241

﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ

وتَأتي الآيةُ قَصيرةً، غَيرَ أنَّها تُغَلِّفُ سِتّاً سابِقةً من الآياتِ عن الطَّلاق. أعطَتِ الآيةُ 236 المُتعةَ لِلمُطَلَّقةِ قَبلَ الدُّخولِ وقَبلَ الفَرض، وأضافَتِ الآيةُ 237 نِصفَ المَهرِ لِلمُطَلَّقةِ قَبلَ الدُّخولِ بَعدَ الفَرض، فبَقِيَتِ المُطَلَّقةُ بَعدَ الدُّخولِ (وهي الأكثَرُ شُيوعاً) بِلا مُتعةٍ مَذكورةٍ صَريحة، فجاءَت هذه الآيةُ لِتُعَمِّمَ حَقَّ المُتعةِ على جَميعِ المُطَلَّقات: بِالمَعروف، حَقّاً على المُتَّقين. والرَّجُلُ الَّذي طَلَّقَ امرَأتَه، مَهما كانَ سَبَبُ الطَّلاق، لا يَنبَغي أن يَترُكَها تَخرُجُ من البَيتِ صِفرَ اليَد. والمُتعةُ هُنا هِبةٌ أخلاقِيّةٌ تُذَكِّرُ الرَّجُلَ بِأنَّ مِشواراً جَمَعَ بَينَهُما يَنتَهي بِتَكريمٍ مادِّيٍّ يَنتَمي إلى دائِرةِ التَّقوى، لا بِحِسابٍ مالِيٍّ بارِد، وليسَت مَهراً ولا نَفَقةَ عِدّة.

١. «وللمُطَلَّقات»: (ط ل ق) والتَّعميمُ اللَّفظيّ

واللّامُ في «لِلمُطَلَّقات» لامُ الاستِحقاقِ والمِلك، والمُطَلَّقاتُ لَهُنَّ شَيءٌ يَستَحقِقنَه، لا يُمنَحُ على سَبيلِ الإحسانِ المُتَفَضَّلِ بِه. والجَمعُ «المُطَلَّقات» جاءَ بِصيغةٍ عامّةٍ تَشمَلُ كُلَّ مَنِ انتَهى عَقدُها بِالطَّلاق: قَبلَ الدُّخولِ أو بَعدَه، وقَبلَ الفَرضِ أو بَعدَه، وهذه السَّعةُ اللَّفظِيّةُ مَقصودة: الآيةُ تَعمَلُ سَقفاً يُغَطّي الحالاتِ الَّتي لم تُذكَرْ صَريحاً في الآياتِ السّابِقة.

٢. «مَتاعٌ بِالمَعروف»: (م ت ع) و(ع ر ف) والمِعيارُ المَرِن

و«المَتاعُ» هُنا المَفهومُ نَفسُه الَّذي ظَهَرَ في الآيةِ 236: هِبةٌ مادِّيّةٌ مُؤَقَّتةُ النَّفع، تُعَبِّرُ عن احتِرامِ الصِّلةِ السّابِقة. غَيرَ أنَّ الآيةَ 236 قَيَّدَتِ المِقدارَ بِقَدَرِ المُوسِعِ والمُقتِر، وهذه الآيةُ تَكتَفي بِـ«المَعروف». والالتِزامُ بِـ«المَعروف» يُحيلُ إلى مِعيارٍ عُرفِيٍّ مُتَحَرِّك: كُلُّ زَمَنٍ ومَكانٍ يَعرِفُ نَفسَه بِنَفسِه، ويَعرِفُ مِقدارَ الهَدِيّةِ اللّائِقة. وهذا التَّركُ لِلعُرفِ حِكمةٌ ظَرفِيّة، وليسَ ضَعفاً تَشريعِيّاً: المِقداراتُ تَتَبَدَّل، والمِعيارُ يَبقى.

٣. «حَقًّا عَلى المُتَّقين»: (ح ق ق) و(و ق ي) والنَّقلُ إلى دائِرةِ التَّقوى

والمُؤَكَّدُ أنَّ هذا الخِتامَ تَربَوِيٌّ لا قانونِيّ، وقد عُدِلَ فيه عن «واجِباً على الرِّجال» و«لازِماً على الأزواج» إلى «حَقّاً على المُتَّقين». والجِذرُ (و ق ي) يَدُلُّ على الصِّيانةِ والحِفظ، فالمُتَّقي هو مَن يَحفَظُ نَفسَه من أن يَقَعَ فيما يُسخِطُ الله. وقد تَبَيَّنَ أنَّ هذا التَّأطيرَ يَصنَعُ آلِيّةً مَشهورةً في البَقَرة: يَضَعُ النَّصُّ الحُكمَ على مِرآةِ الذّات، ويَسأل: هل أنتَ من المُتَّقين؟ إن كُنتَ، فهذا حَقٌّ عَلَيك. وهذا التَّأطيرُ يَرفَعُ المُتعةَ من دائِرةِ التَّكاليفِ إلى دائِرةِ الاختِيارِ الواعي، فيُؤَدّيها المُتَّقي استِجابةً لِلصِّلةِ بِاللهِ الَّتي يَصونُها، ولا يُؤَدّيها استِجابةً لِخَوفٍ قَضائِيّ.

٤. قِصَرُ الآيةِ ووَظيفَتُها البِنيَويَّة

وقِصَرُ الآيةِ (خَمسُ كَلِمات) بَعدَ سِلسِلةٍ طَويلةٍ من الآياتِ التَّفصيلِيّةِ لَيسَ مُصادَفة، والنَّصُّ يَستَخدِمُ هذا القِصَرَ خِتاماً بِنيَوِيّاً لِكُتلةِ أحكامِ الطَّلاق: سِتٌّ من الآياتِ فَصَّلَتِ الجُزئِيّات، وهذه الآيةُ القَصيرةُ تُلَخِّصُ الفَلسَفةَ الأخلاقِيّةَ الحاكِمةَ لَها. وكأنَّ اللهَ يُعيدُ القارِئَ إلى المَبدَأِ الأوَّل: مَهما تَنَوَّعَت حالاتُ الطَّلاق، فالرَّجُلُ المُتَّقي لا يَترُكُ امرَأتَه تَخرُجُ بِلا تَكريمٍ مادِّيّ. وهذه الوَظيفةُ البِنيَوِيّةُ تُفَسِّرُ استِغناءَ الآيةِ عن التَّفصيل: المُفَصَّلُ قد قيل، وما تَبَقّى هو الرّوحُ الجامِعة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «اللّامُ» في «لِلمُطَلَّقات» لامُ استِحقاقٍ لا إحسان؛ و«المُطَلَّقات» جَمعٌ عامٌّ يُغَطّي كُلَّ حالاتِ الطَّلاق؛ و«المَتاع» هِبةٌ مادِّيّةٌ تَحفَظُ الصِّلةَ السّابِقة؛ و«بِالمَعروف» مِعيارٌ عُرفِيٌّ مَرِن؛ و«حَقًّا عَلى المُتَّقين» يَنقُلُ المُتعةَ من واجِبٍ قانونِيٍّ إلى اختِبارٍ ذاتِيٍّ لِلتَّقوى، فيَسألُ كُلَّ مُطَلِّق: هل أنتَ مُتَّقٍ؟ فإن كُنتَ، فأنتَ مَدينٌ لَها بِهذه الهَدِيّة.


حَصيلة

الآيةُ خِتامٌ بِنيَوِيٌّ بِخَمسِ كَلِماتٍ يُلَخِّصُ فَلسَفةَ المَتاعِ لِكُلِّ مُطَلَّقة. فَصَّلَتِ الآياتُ 236-237 حالَتَينِ خاصَّتَين، فبَقِيَتِ المُطَلَّقةُ بَعدَ الدُّخولِ بِلا ذِكرٍ صَريحٍ لِلمَتاع، فجاءَت هذه الآيةُ بِجَمعٍ عامٍّ شامِل. وجِذرُ ط-ل-ق في «المُطَلَّقات» صيغةٌ عامّةٌ تُغَطّي كُلَّ حالاتِ الطَّلاق: قَبلَ الدُّخولِ وبَعدَه، وقَبلَ الفَرضِ وبَعدَه. واللّامُ في «لِلمُطَلَّقات» لامُ استِحقاقٍ لا إحسانٍ مُتَفَضَّل. وجِذرُ م-ت-ع في «مَتاع» هَدِيّةٌ مادِّيّةٌ تَحفَظُ الصِّلةَ السّابِقة، وتَقولُ إنَّ مَسيرةً جَمَعَت بَينَهُما لا تَنتَهي بِحِسابٍ بارِد. والمِعيارُ «بِالمَعروف» ظَرفِيٌّ مَرِنٌ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمانِ والمَكان. والخِتامُ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ آلِيّةٌ تَربَوِيّةٌ تُحَوِّلُ الواجِبَ من الإلزامِ القانونِيِّ إلى مِرآةِ الضَّمير: هل أنتَ مُتَّقٍ؟ فإن كُنت، فهذا حَقٌّ عَلَيك، ويُسألُ كُلُّ مُطَلِّقٍ أن يَرى نَفسَه في هذه المِرآةِ قَبلَ أن يَخرُج.