البقرة · الآية 45

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ

«اسْتَعينوا» من (ع و ن): طَلَبُ قُوَّةٍ تَشُدُّ بُنيةً ضَعُفَت

أصلُ (ع و ن) المُعاضَدةُ والمُسانَدة، و«العَونُ» ما يَشُدُّ بِنيةً مُهَدَّدةً بِالتَّصَدُّع. وصيغةُ الاستِفعالِ في «استَعانَ» تُضيفُ مَعنى الطَّلَب، وفيها إقرارُ العَبدِ بِأَنَّ في بِنيَتِه خَلَلاً لا يُسَدُّ بِقُدرَتِه وَحدَها. فَالأَمرُ بِالاستِعانةِ مُتَرَتِّبٌ على ما سَبَق، إذ قَد أَثبَتَتِ الآياتُ أَنَّ النَّفسَ تُأمَرُ بِالبِرِّ فَتَنسى نَفسَها، وأنَّ التِّلاوةَ تَحدُثُ واللِّسانُ يَسبِقُ القَدَم. وهذا الخَلَلُ المُعتَرَفُ بِه يُسَدُّ بِطَلَبِ عَونٍ يَأتي من خارِجِ البُنيةِ المَعطُوبة، ولا يُسَدُّ بِقَرارٍ أَدَبيٍّ ولا بِعَزمٍ أَخلاقيّ. والفاءُ المَحذوفةُ في «اسْتَعينوا» تُنَبِّهُ على أنَّ العَيبَ ما دامَ قد شُخِّصَ فَالإجراءُ التّالي هو طَلَبُ العَونِ، لا الاكتِفاءُ بِالتَّشخيص.

«الصَّبر» من (ص ب ر): حَبسُ الوِعاءِ ثابِتاً تَحتَ الضَّغط

ومادّةُ (ص ب ر) تَدورُ على حَبسِ الشَّيءِ في مَوضِعِه وإمساكِه عَن الانفِلات، ومِنه «صَبرَ السّائِلَ في الإناء» إذا أَمسَكَه دونَ إراقة، و«صَبرَ الدّابّةَ» إذا رَبَطَها في مَوضِعِها. فَالصَّبرُ إمساكُ وِعاءِ النَّفسِ ثابِتاً تَحتَ الضَّغطِ حتّى لا يَنقَلِبَ ما فيه، وليسَ تَحَمُّلاً سَلبياً لِلأَلَم كَما يَشيعُ في الاستِعمالِ المُعاصِر. وهو إمساكٌ فاعِلٌ، تُحبَسُ فيه الجَوارِحُ عَن الانفِلاتِ فَتُمسَكُ في مَوضِعٍ أَعلى. ومَن فَهِمَ الصَّبرَ بِهَذا المَعنى رَأى فيه تَقويَةً لِلجُدرانِ التي تَحمِلُ النَّفسَ حتّى لا يَنكَبَّ سائِلُها على أوَّلِ هَزَّة، ولَم يَرَ فيه انكِساراً لَها.

«الصَّلاة» بَعدَ الصَّبر: مِن مُجاهَدةِ الحَبسِ إلى ثَمَرَةِ الصِّلَة

وجَذرُ (ص ل و) على ما سَبَقَ تَقريرُه اتِّصالٌ مُتَواصِلٌ بِالأَصل. وتَقديمُ «الصَّبر» على «الصَّلاة» في الآيةِ مَقصود، فالصَّبرُ يَحبِسُ ما في الوِعاء، والصَّلاةُ تَفتَحُ أَعلاه على ما فَوقَه. ومَن حاوَلَ الاتِّصالَ بِوِعاءٍ مَشقوقِ الجَوانِبِ لَم يَجِد فيه ما يَصعَدُ إلى أَعلى، إذ يَخرُجُ الماءُ من الشُّقوقِ قَبلَ أن يَنبَثِقَ من الفَم. فَالصَّبرُ في هذه الآيةِ تَرميمٌ لِجُدرانِ الوِعاء، والصَّلاةُ هي الاتِّصالُ الذي لا يَقومُ إلّا على وِعاءٍ مُمسِكٍ بِما فيه. ومِن هُنا يَفتَرِقُ أَمرُ الصَّلاةِ في هذه الآيةِ عَن أَمرِها في الآيةِ (43)، فهُناكَ أَمرٌ بِإقامَةِ صِلةٍ عامَّةٍ تَحمِلُ نِظامَ الحَياة، وهُنا أَمرٌ بِاتِّخاذِ الصَّلاةِ عَوناً خاصّاً على ما كَشَفَهُ التَّشخيصُ من خَلَلٍ بَينَ القَولِ والفِعل.

«إنَّها لَكَبيرة»: مَرجِعُ الضَّمير وحَسمُه بِالسِّياق

والضَّميرُ «ها» في «إنَّها لَكَبيرَة» مُفرَدٌ، والمَأمورُ بِه في مَطلَعِ الآيةِ اثنان: الصَّبرُ والصَّلاة، ولِذا يَعودُ الضَّميرُ على الاستِعانةِ بِالصَّبرِ والصَّلاةِ مَعاً، فَهي المَأمورُ بِها في مَطلَعِ الآية. فَالاستِعانةُ المُزدَوِجة، وهي حَبسٌ وصِلة، ومُجاهَدةٌ وفَتحٌ لِما فَوق، هي العَمَلُ الكَبيرُ الذي لا يَهونُ إلّا على فِئةٍ مَخصوصة. ولَو جاءَ «وإنَّهُما» بالمُثَنّى لَلَزِمَ الفَصلُ بَينَهُما، غَيرَ أنَّ الإفرادَ في «إنَّها» يَلُمُّهُما في وَحدةٍ واحِدة: مُجاهَدةٌ تُثمِرُ صِلةً، وهي مَوضوعُ الكَبيرة، لا الصَّبرُ وَحدَه ولا الصَّلاةُ وَحدَها.

«إلّا على الخاشِعين» من (خ ش ع): سُكونُ الأَرضِ بَعدَ اضطِرابِها

وأَصلُ (خ ش ع) في اللُّغةِ اطمِئنانُ الشَّيءِ واستِقرارُه بَعدَ اضطِراب، يُقالُ «خَشَعَت الأَرضُ» إذا انخَفَضَت وسَكَنَت بَعدَ ما أَثارَتها الرِّيحُ، و«خَشَعَت الأَصواتُ» إذا هَدَأَت بَعدَ صُراخ. فَالخُشوعُ إذن هُدوءُ الضَّوضاءِ الدّاخِليّةِ بَعدَ أن كانَت مُشَوَّشة، وليسَ تَصَنُّعَ انكِسارٍ يَظهَرُ على الوَجه. ومَن سَكَنَت ضَوضاؤُه الدّاخِليّةُ لَم يَكُن لَدَيه صَوتٌ آخَرُ يُنازِعُ أَمرَ الأمر، فَخَفَّ عَلَيه ما يَثقُلُ على مَن يَتَنازَعُ في داخِلِه صَوتُ الأَمرِ وصَوتُ الهَوى. ولِذا كانَ تَعليقُ الاستِثناءِ «إلّا على الخاشِعين» وَصفاً لِشَرطٍ يُدرَكُ بِالتَّزكية، وليسَ تَخصيصاً لِفِئةٍ لا تُدرَك: مَن أَسكَنَ داخِلَه خَفَّت عَلَيه الاستِعانة، لِأَنَّه لَم يَعُد مُضطَرّاً إلى أن يَستَعينَ على نَفسِه قَبلَ أن يَستَعينَ على مَهَمَّتِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الاستِعانة» اعتِرافٌ بِبُنيةٍ تَحتاجُ إلى شَدٍّ من خارِج، و«الصَّبر» حَبسُ الوِعاءِ في مَوضِعِه لا تَحَمُّلٌ سَلبيٌّ لِلأَلَم، و«الصَّلاةُ» اتِّصالٌ لا يَنبَثِقُ إلّا من وِعاءٍ مُرَمَّم، و«الخُشوعُ» سُكونُ الضَّوضاءِ في الدّاخِلِ بَعدَ اضطِرابِها، وهو غَيرُ صِفةٍ ظاهِريَّةٍ على الوَجه. فَمَن اجتَمَعَت له هذه الأَدوارُ لم تَبقَ عَلَيه مَهَمَّةُ البِرِّ وتَلاوَةِ الكِتابِ كَبيرةً، لِأَنَّه أَنجَزَ الأَهَمَّ مِنها، فأَسكَنَ الصَّوتَ الذي كانَ يُنازِعُ قَولَه عَن فِعلِه.


حَصيلة

بَعدَ تَشخيصِ الخَلَلِ في الآيةِ السّابِقَةِ يَأتي وَصفُ العِلاج، وهو الاستِعانَةُ بِالصَّبرِ والصَّلاة، لِمَن اعتَرَفَ بِخَلَلٍ لا يَسُدُّه وَحدَه، ولا تَختَصُّ بِالأَقوِياء. و(ع-و-ن) طَلَبُ ما يَشُدُّ بِنيَةً مُهَدَّدَةً بِالتَّصَدُّع، وصيغَةُ الاستِفعالِ «استَعانَ» إقرارٌ أَوَّلاً بِأنَّ في البِنيَةِ خَلَلاً. ثُمَّ يَأتي (ص-ب-ر) بِمَعنى حَبسِ الوِعاءِ ثابِتاً تَحتَ الضَّغطِ حتّى لا يَنقَلِبَ ما فيه، كَما يُمسَكُ السّائِلُ في الإناءِ بِلا إراقَة، دونَ مَعنى التَّحَمُّلِ السَّلبيّ. والصَّلاةُ بَعدَه لا قَبلَه، إذ (ص-ل-و) اتِّصالٌ لا يَنبَثِقُ إلّا من وِعاءٍ مُرَمَّمِ الجُدران، ومَن حاوَلَ الاتِّصالَ بِوِعاءٍ مَشقوقٍ لَم يَجِد فيه ما يَصعَدُ. وكِلاهُما «كَبيرَة» إلّا على طائِفَةٍ مَخصوصَة: الْخَاشِعِينَ﴾، من (خ-ش-ع)، وهو في أَصلِه اطمِئنانُ الأَرضِ بَعدَ اضطِرابِها، وفي القَلبِ سُكونُ الضَّوضاءِ الدّاخِليَّةِ بَعدَ أن كانَت تَشوش. ومَن أَسكَنَ داخِلَه لَم يَعُد يَستَعينُ على نَفسِه قَبلَ مَهَمَّتِه، ولهذا تَخِفُّ عَلَيه الاستِعانَةُ حَتّى كَأنَّها أَصبَحَت ثِقَلَه الطَّبيعيَّ لا عِبأَه.