البقرة · الآية 46

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

«الَّذينَ يَظُنّونَ» من (ظ ن ن): الظَّنُّ الذي يُحَرِّكُ، لا التَّخمينُ الذي يَتَرَدَّد

«ظَنَّ» في العَرَبيّةِ غَيرُ مُرادِفٍ لِـ«شَكَّ» على ما يَشيعُ في الاستِعمالِ المُعاصِر، ومَدارُ (ظ ن ن) على التَّصَوُّرِ الكَثيفِ الذي يَستَقِرُّ في النَّفسِ ويَحمِلُ صاحِبَه على فِعل. ولِذَلك قد يَستَعمِلُه القُرآنُ بِمَعنى اليَقينِ الصّارِم، كَما في الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، وقد يَستَعمِلُه بِمَعنى الظَّنِّ المَرجوح، كَما في إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. والفاصِلُ بَينَهُما السِّياقُ والصّيغة، فإذا جاءَ الفِعلُ مُضارِعاً مُتَعَدِّياً بِأَنّ، وأَفضى إلى حُكمٍ جازِم، دَلَّ على تَصَوُّرٍ غالِبٍ يُحَرِّكُ السُّلوك. والمُرادُ في سِياقِ هذه الآيةِ الَّذينَ قامَ في نُفوسِهِم تَصَوُّرٌ غالِبٌ لِلِّقاءِ، فَصارَ هذا التَّصَوُّرُ يَدفَعُهُم إلى الصَّبرِ والصَّلاةِ ويُهَوِّنُ عَلَيهِم كِبَرَهُما.

وعُدِلَ عن «الَّذينَ يَعلَمونَ أنَّهُم مُلاقُو رَبِّهِم» لِأَنَّ اللِّقاءَ غَيبٌ لا تُدرِكُه الحَواسّ، وعن «الَّذينَ يُؤمِنون» لِئَلّا يُختَزَلَ الخُشوعُ كُلُّه في ما صارَ يُسَمّى بَعدُ «الإيمانَ» لَقَباً جَماعيّاً، وأوثِرَ «يَظُنّون» لِيَصِفَ حالةَ القَلبِ الذي حَمَلَ التَّصَوُّرَ حتّى امتَلأَ بِه: لا بُرهانَ ظاهِريٌّ يُقيمُه، ولا شَعيرةَ اسميَّةٌ يُعَلَّقُ بِها، وإنّما ثِقَلُ تَصَوُّرٍ يَنقُلُه إلى فِئةِ مَن تَهونُ علَيهِم المَشَقَّة.

«مُلاقُوا رَبِّهِم» من (ل ق ي) و(ر ب ب): لِقاءٌ شَخصيٌّ بِالمُرَبّي لا بِالإلهِ المُجَرَّد

واختيرَ في النَّصِّ «رَبِّهِم» دونَ «اللَّهِ» و«الخالِق»، وفي الاختِيارِ دَلالة. ومَدارُ (ر ب ب) على التَّربيةِ والرِّعايةِ التَّدريجيّة، يُقالُ «رَبَّى الوَلَدَ» إذا تَعَهَّدَه حَتّى بَلَغَ تَمامَ نُشوئِه. فَـ«الرَّبُّ» في كَلامِ العَرَبِ اسمُ المُتَعَهِّدِ الذي يَعرِفُ تاريخَ ما تَعَهَّدَه ويَعلَمُ كُلَّ مَوضِعٍ نَقَصَه فيه، وليسَ لَقَبَ سُلطةٍ مُجَرَّدة. وإضافةُ الرَّبِّ إلى الضَّميرِ في «رَبِّهِم» تُثَبِّتُ الطَّابِعَ الشَّخصيَّ، فاللِّقاءُ مَوقِفُ المُتَرَبّي أَمامَ مَن تَعَهَّدَ نُشوءَه خُطوةً بِخُطوة، لا اجتِماعٌ بِسُلطَةٍ عامّة. ومَن تَصَوَّرَ هذا اللِّقاءَ كَما يَقتَضيه الجَذرُ عَلِمَ أنَّ الذي سَيَراه مَن عَرَفَه في تاريخِه كُلِّه ويَعرِفُ فيه ما لا يَعرِفُه هو في نَفسِه، وأنَّه غَيرُ غَريبٍ يُعَرَّفُ بِه في ذلك اليَوم.

وجَذرُ (ل ق ي) يَدورُ على المُواجَهةِ التي يَلتَقي فيها الطَّرَفانِ دونَ حاجِب، يُقالُ «لَقِيتُ فُلاناً» إذا رَأَيتَه وجهاً لِوَجه. فَـ«اللِّقاء» تَقابُلٌ مُباشِر، وليسَ الرُّؤيةَ العابِرةَ ولا المُرورَ قُربَ أَحَد. واجتِماعُ «اللِّقاء» مَع «الرَّبّ» مُضافاً إلى الضَّميرِ يَحمِلُ سِرَّ الآيةِ كُلِّها، وهو مَوقِفُ المُتَرَبّي أَمامَ المُتَعَهِّدِ وَجهاً لِوَجه. ومَن حَمَلَ في صَدرِه هذا التَّصَوُّرَ كَثيفاً لَم تَكُن لَه حاجةٌ إلى رَقيبٍ خارِجيٍّ يَحدُّه، فَهو في كُلِّ لَحظةٍ مَحسوبٌ عَلَيها في سِجِلٍّ يُفتَحُ يَومَ اللِّقاء.

«وَأنَّهُم إلَيهِ راجِعون» من (ر ج ع): عَودةٌ إلى المَصدَرِ لا انتِهاءٌ إلى غَيرِه

وأَصلُ (ر ج ع) العَودةُ إلى نُقطةِ البَدء، لا الانتِقالُ إلى طَرَفٍ جَديد، يُقالُ «رَجَعَ المَوجُ إلى البَحرِ» لِأَنَّه كانَ مِنه أَوَّلَ مَرّة. وفي الآيةِ «إلَيهِ راجِعون»، وتَقديمُ الجارِّ والمَجرورِ على اسمِ الفاعِلِ يُفيدُ الحَصر، أي لا إلى غَيرِه. فَالموتُ في قَولِ القُرآنِ عَودةٌ إلى نَفسِ المَصدَرِ الذي خَرَجَ مِنه الأَمر، وليسَ انتِهاءً إلى عَدَم، ولا وُصولاً إلى سُلطةٍ أُخرى غَيرِ التي بَدَأَ مِنها. ومِن هُنا تَختَلِفُ رُؤيةُ الآخِرةِ عَن تَصَوُّرٍ يَجعَلُها مَحكَمةً ناشِئةً تَختَبِرُ أَشخاصاً لا تَعرِفُهم: هي عَودةٌ إلى بَيتٍ خَرَجَ مِنه الخارِجون.

واجتِماعُ اللِّقاءِ والرُّجوعِ في الآيةِ وَصفٌ لِمِحوَرٍ كامِل: خَرَجَ العَبدُ من الرَّبِّ، ويَرجِعُ إلَيه، ويَلقاه في مَرجِعِه. فَالحَياةُ الدُّنيا في هذا النَّسَقِ مَسارٌ مُؤَقَّتٌ مَوصولٌ بِما قَبلَه وما بَعدَه، غَيرُ المَقَرِّ الدّائِم. ومَن امتَلأَ قَلبُه بِهَذا التَّصَوُّرِ لَم يَكُن في يَدِه ما يَخسَرُه في المَسار، لِأَنَّ كُلَّ ما في يَدِه فائِضٌ بَينَ خُروجٍ ورُجوع.

لِمَ «يَظُنّون» في نِداءِ بَني إسرائيل خاصّة؟

ومَحَلُّ النَّظَرِ أنَّ الآيةَ تَختارُ «يَظُنّون» دونَ «يُؤمِنون بِيَومِ الآخِر»، فَإنَّ هذه الصِّياغةَ الثّانيةَ تَفتَرِضُ في المُخاطَبِ بَيانَ الآخِرةِ بِتَفصيلِها مُصطَلَحاً مُقَرَّراً، وأمّا «الَّذينَ يَظُنّون» فَيَصِفُ مَن قامَ في نُفوسِهِم تَصَوُّرٌ كَثيفٌ أَنَّ هُناكَ لِقاءً، وإن لَم يَبلُغوا تَفصيلَه. فَصارَ هذا الظَّنُّ الكَثيفُ شَرطَ هَوانِ الاستِعانةِ المَذكورةِ في الآيةِ قَبلَها، فمَن تَصَوَّرَ لِقاءَ المُتَعَهِّدِ بِه كَثيفاً لا يَثقُلُ علَيه حَبسُ النَّفسِ ولا فَتحُ الصِّلَة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الظَّنُّ» تَصَوُّرٌ غالِبٌ يُحَرِّكُ الفِعل، وليسَ تَخميناً ضَعيفاً، و«اللِّقاءُ» مَوقِفُ المُتَرَبّي أَمامَ المُتَعَهِّدِ به وَجهاً لِوَجه، و«الرُّجوعُ» عَودةٌ إلى نَفسِ المَصدَرِ لا انتِهاءٌ إلى غَيرِه، و«الرَّبُّ» اسمُ المُتَعَهِّدِ لا لَقَبُ السُّلطةِ المُجَرَّدة. فَحينَ تَجتَمِعُ هذه الأَدوارُ في قَلبٍ واحِد يَخِفُّ على صاحِبِه ما ثَقُلَ على غَيرِه من شَعائِرِ الحَبسِ والصِّلة.


حَصيلة

تُنتِجُ هذه الآيةُ الشَّرطَ الكافيَ لِهَوانِ الكَبيرِ في الآيةِ قَبلَها، وهو قَولُه: الَّذين يَظُنُّون. و(ظ-ن-ن) هُنا تَصَوُّرٌ غالِبٌ يَستَقِرُّ في النَّفسِ ويَحمِلُ صاحِبَه على الفِعل، وليسَ تَخميناً مُتَرَدِّداً. وتُرِكَ «يَعلَمون» لأنَّ اللِّقاءَ غَيبٌ لا تُدرِكُه الحَواسّ، وتُرِكَ «يُؤمِنون» لِئَلّا يُختَزَلَ الخُشوعُ في لَقَبٍ جَماعيّ، واختيرَ «يَظُنُّون» لِيَصِفَ قَلباً امتَلَأَ بِالتَّصَوُّرِ حتّى يَنقُلَه إلى فِئَةِ مَن تَهونُ عَلَيهِم المَشَقَّة. واللِّقاءُ المُتَصَوَّرُ مَوقِفُ المُتَرَبّي أَمامَ «رَبِّهم»، من (ر-ب-ب)، أي المُتَعَهِّدِ الذي عَرَفَ تاريخَه وأَمَدَّه لَحظَةً بِلَحظَة، غَيرُ اجتِماعٍ بِسُلطَةٍ غَريبَة. والوَجهُ الثاني وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، و(ر-ج-ع) عَودَةٌ إلى نُقطَةِ البَدءِ لا انتِقالٌ إلى طَرَفٍ جَديد. فالحَياةُ في هذا الفَهمِ دَورَةٌ مَوصولَةُ الطَّرَفَين، وما فيها فائِضٌ بَينَ خُروجٍ ورُجوع، وليسَ مِلكاً دائِماً. ومَن حَمَلَ تَصَوُّرَ اللِّقاءِ والرُّجوعِ كَثيفاً في صَدرِه لَم يَكُن في يَدِه ما يَخسَرُه في المَسار، ولذلك وَجَدَ الكَبيرَ خَفيفاً.