آل عمران · الآية 101

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

«وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ»: الاستِفهامُ يُواجِهُ إمكانَ الحَجب

تَصلُ الواوُ هذا السؤالَ بالتحذيرِ السابقِ من طاعةِ الفريقِ الذي يَردُّ المخاطبينَ بعدَ إيمانِهم كافرين، ثمّ تسألُ «كيف» عن إمكانِ الحركةِ نفسها في الحالِ التي ستصفُها. وفي ك-ف-ر يَهبطُ الكتمُ على ما ظهرَ ويَمتدُّ حجابُه بينَ العلامةِ والناظر، والفعلُ المضارعُ الجمعيُّ يَضعُ المخاطبينَ أمامَ مسارٍ ممكن، وأمّا «كيف» فتَستبعدُ هذا المسارَ في ضوءِ الحضورَين التاليَين.

«وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ»: التِّلاوةُ حالٌ جارية

والواوُ هنا تأتي بجملةِ الحال، والضميرُ «أنتم» يَجعلُ المخاطبينَ محلَّ التلاوةِ الواقعةِ عليهم. وفي ت-ل-و لِقاءٌ دَقيقٌ يَعقُبُه لِقاءٌ ويَتَّصِلُ بِه، فتَحملُ الآياتُ بعضُها بعضاً في وصولٍ مسموع. والفعلُ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهول، فتَبرزُ الآياتُ نائبَ فاعلٍ مؤخراً وتَستمرُّ حركتُها نحوهم، وإضافتُها إلى الله تُثبتُ المصدر، فتَقعُ التلاوةُ عليهم في اللحظةِ التي يَستبعدُ فيها السؤالُ الحجب.

«وَفِيكُمْ رَسُولُهُ»: الحُضورُ الثانيُ داخِلُ الجَماعة

وتَعطفُ الواوُ حالاً ثانيةً، ويُقدَّمُ فيها «فيكم» على «رسوله»، فيَبرزُ موقعُ الحضورِ قبلَ صاحبه. والضميرُ في «رسوله» عائدٌ إلى اللهِ الذي أُضيفت إليه الآيات، فيَجتمعُ المصدرُ في الحالَين. والرسولُ حاضرٌ فيهم داخلَ العبارة، فتُحيطُ بسؤالِ «كيف» تلاوةٌ تقعُ عليهم ورسولٌ بينهم، ويَظهرُ الحجبُ فعلاً يُقاومُ حضورَين قائمَين.

«وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ»: العُمومُ يَفتَحُ حَرَكةَ التَّماسُك

ثمّ تَنتقلُ الواوُ من الاستفهامِ إلى شرطٍ عامٍّ بـ«مَن». والعصمةُ من ع-ص-م، ومعناها ظهورٌ من العمقِ يَلتقي بإمساكٍ صلبٍ ثمّ يَجتمعُ في احتواءٍ يَمنعُ الانفلات، وصيغةُ الافتعالِ تُدخلُ الفاعلَ عامداً في التماسك. والباءُ تَصلُ الاعتصامَ بالله فتَجعلُه معيارَ التماسك، و«مَن» تَفتحُ الفعلَ لكلِّ صاحب، فيُقابلُ طريقَ طاعةِ الفريقِ طريقٌ يَشدُّ صاحبَه إلى الله نفسه.

«فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ»: الجَوابُ يُثبِتُ الوُصولَ إلى خَطّ

والفاءُ تَربِطُ الاعتصامَ بجَوابٍ تُؤكِّدُه «قد»، وهو «هُدي». والهِدايةُ من ه-د-ي مَجرىً يَفتَحُه النَّفَسُ ويَثبُتُ ثمّ يَمتَدُّ في سَريانٍ نحوَ وِجهة، والفِعلُ مبنيٌّ للمجهولِ فيَبرُزُ المَهديُّ وغايةُ هِدايتِه. والصِّراطُ من ص-ر-ط إمساكٌ صُلبٌ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يَنطَبِقُ في خَطٍّ عَريضٍ مَضبوط، و«مستقيم» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ القيامَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً في الصِّراط. فالاعتصامُ يَفتَحُ هِدايةً إلى طريقٍ قائِم، ولا يَبقى ثَباتاً ساكناً.


حَصيلة

يَستبعِدُ السُّؤالُ الكُفرَ في حالٍ تَجتَمِعُ فيها تِلاوةُ آياتِ الله على المخاطَبين وحُضورُ رسولِه فيهم، ثمّ يُتبِعُ النَّظمُ هذا الاستِبعادَ بحَرَكةٍ مُقابِلة، فيَفتحُ «مَن» لكلِّ مَن يَعتصِمُ بالله، ويَربِطُ هذا التَّماسُكَ بهِدايةٍ مؤكَّدةٍ إلى صِراطٍ مُستَقيم. فالحَجبُ يُواجَهُ بحُضورِ الآياتِ والرسول، وطاعةُ الفريقِ تُقابَلُ باعتصامٍ بالله، والنَّتيجةُ خَطٌّ قائِمٌ تُهدى إليه الحَرَكة، وليست تَماسُكاً بلا اتِّجاه.