آل عمران · الآية 100

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»: فِعلُهم يُعَرِّفُهم قبلَ التَّحذير

يَنتقلُ النداءُ من أهلِ الكتابِ في الآيتينِ السابقتين إلى «الذين آمنوا»، والاسمُ الموصولُ يَصلُ المخاطبينَ بفعلٍ ماضٍ، أي أنّهم حملوا الإيمان. وأصلُ أ-م-ن تهيّؤٌ يَبدأُ ويَستقرُّ في باطنٍ مأمونٍ ثمّ يَظهرُ أثرُه ثقةً، وبذلك يُعرّفُهم فعلُهم قبلَ أن يَصفَ جوابُ الشرطِ ردّاً يَحدثُ «بعد إيمانكم».

«إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا»: التَّحذيرُ مَحصورٌ في طاعةِ بَعض

و«إن» تَفتحُ احتمالاً شرطياً يَربطُ النتيجةَ بفعلِ المخاطبين. والطاعةُ من ط-و-ع، وهي انبِساطٌ يَنقادُ فيَجري مَعَ غَيرِه في مَسلَكٍ مَحدود، وصيغةُ الإفعالِ تُدخلُ الفاعلَ في إعطاءِ هذا الانقياد. ومفعولُ الطاعةِ «فريقاً» من ف-ر-ق، أي جهةٌ انفصلت من جمعٍ أوسع، فتَحصرُ كلمةُ «فريقاً» التحذيرَ في طاعةِ بعضٍ، لا في الاسمِ العامِّ كلّه.

«مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ»: التَّبعيضُ الثانيُ يَضبِطُ المَرجِع

و«من» تَربِطُ الفريقَ بعمومِ الذين أُوتوا الكتاب وتُحكمُ أنّه جزءٌ منهم. والإيتاءُ من أ-ت-ي انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه، والبناءُ للمجهولِ يَجعلُ الكتابَ مفعولَ العطاء. وبذلك يَبقى فعلُ الردِّ منسوباً إلى الفريقِ وحده، ويَحفظُ التبعيضُ سائرَ الجمعِ من حملِ فعله.

«يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ»: الجَوابُ حَرَكةُ إرجاعٍ بعدَ ثِقة

وجَوابُ الشَّرطِ «يردوكم» يَربِطُ طاعةَ الفريقِ بحَرَكةٍ تَقَعُ على المخاطَبين. والرَّدُّ من ر-د-د جَريانٌ مُستَرسِلٌ يَثبُتُ تحتَ دَفعٍ ثمّ يُضاعِفُ تَكرارُ الدالِ القَطعَ والدَّفعَ إلى الوَراء، فيَصيرُ الفِعلُ إرجاعاً يُعادُ لا دَفعةً واحِدةً تَنقَضي. وأَسنَدَت الآيةُ هذا الفِعلَ إلى الفريقِ وجَعَلَت ضميرَ المخاطَبينَ مَفعولاً فيه، فالحَرَكةُ تَجري عليهم بفِعلِ غَيرِهم بعدَ أن يُطيعوه. و«بعد إيمانكم» تَضبِطُ مَوقعَ الرَّد، والثِّقةُ كانت وَصفَهم المَنسوبَ إليهم، والشَّرطُ يُحذِّرُ من حَرَكةٍ تُرجِعُهم بعدَها، والفِعلُ على هذا عَكسٌ لمَسارٍ قائمٍ، غيرُ خالقٍ لبَداية.

«كَافِرِينَ»: الرَّدُّ يَنتَهي إلى سِترٍ في مَوضِعِ ثِقة

و«كافرين» حالٌ من ضميرِ المخاطَبينَ في «يردوكم»، يُبَيِّنُ الصُّورةَ التي يُرادُ أن يَصيروا عليها. وفي «كافرين» تَكتُمُ الكافُ ما كانَ مَكشوفاً لهم، وتَشُقُّ الفاءُ للكَتمِ مَنفَذاً ضَيِّقاً، وتَجري الراءُ به مُستَرسِلاً، فالوِجهةُ التي يَنتَهي إليها الرَّدُّ سِترٌ يَحِلُّ في مَوضِعِ ثِقةٍ كانت قائمة. وجاءَ الوَصفُ حالاً جامِعةً دونَ فِعلٍ في وَقت، فهو صُورةٌ يُنتَهى إليها لا لَحظةُ ارتِباكٍ عابِرة. ومع ذلك تَبقى الجُملةُ كلُّها جَوابَ «إن تطيعوا»، فمَناطُ التَّحذيرِ مآلُ طاعةٍ مَخصوصةٍ ما دامَت شَرطاً لم يَقَع.


حَصيلة

تُنادي الآيةُ المخاطَبينَ بفِعلِ إيمانِهم، ثمّ تَفتحُ شَرطاً لا نتيجةً مُنجَزة، وهو أن يُطيعوا فريقاً. وتُعيدُ «من» التَّبعيضَ فتَجعَلُ الفريقَ جُزءاً من الذين أُوتوا الكتاب، فيَبقى التَّحذيرُ مَحدوداً بمَن سَمَّته الآيةُ، وهو طاعةُ فريقٍ من جُملةٍ أوسَع. وجَوابُ الطّاعةِ رَدٌّ بعدَ الإيمان، وحالُه «كافرين»، فالبِنيةُ تُقيمُ المَسؤوليّةَ على طاعةٍ مَخصوصةٍ ومآلِها، مع تَثبيتِ الحالِ الأُولى التي يُحذَّرُ المخاطَبونَ من فَقدِها.