آل عمران · الآية 117

﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

«مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»: الإنفاقُ يُوضَعُ في صُورة

يَفتَحُ «مثل» تركيباً يَنقُلُ ما يُنفِقونَ من التَّجريدِ إلى صُورةٍ تُرى حَرَكتُها. المَثَلُ من م-ث-ل ضَمٌّ يَجتَمِعُ في كثافةٍ دقيقةٍ ثمّ يَمتَدُّ في تَعَلُّقٍ بينَ طرفَين. والإنفاقُ من ن-ف-ق احتِواءٌ يَفتَحُ شَقّاً ثمّ يَعقِدُ خُروجاً من المَمسوك. المضارعُ يَحمِلُ استمرارَ فعلِهم، و«في هذه الحياة الدنيا» يَحُدُّ حَيِّزَه بالحياةِ المشارِ إليها والموصوفةِ بالأدنى، فلا يُطلَقُ الحُكمُ على كلِّ إنفاق.

«كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ»: الكافُ تَفتَحُ طَرَفَ الصُّورةِ الثاني

تأتي الكافُ لتَصِلَ الإنفاقَ بمَثَلِ ريحٍ نَكِرة، فيَبقى المُشَبَّهُ به هيئةً لا واقعةً بعَينِها، ويَحمِلُ التَّنكيرُ كلَّ ريحٍ هذا وَصفُها. الرِّيحُ من ر-و-ح جَريانٌ مُستَرسِلٌ يَتَّصِلُ في امتِدادٍ مَمدودٍ ثمّ يَنفُذُ خارِجاً من مضيق، فتَحمِلُ حَرَكةً عابرة. «فيها صِرّ» يَجعَلُ الصِّرَّ داخِلَها؛ والصِّرُّ إمساكٌ صُلبٌ يَجري ثمّ تُكثِّفُ الراءُ المكرَّرةُ وَقعَه القارِص. فالقُوّةُ في الرِّيحِ وفي الصِّرِّ الذي بداخِلِها، وحَرفُ «في» يَجعَلُ القارِصَ مَحمولاً فيها لا مُصاحِباً لها من خارِج.

«أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ»: الإصابةُ تَبلُغُ مَوضِعَ النَّماء

يَعودُ الفِعلُ المؤنّثُ إلى الريحِ فتُصيبُ حَرثاً. الحَرثُ من ح-ر-ث تضييقٌ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يَجتَمِعُ في كثافةٍ دقيقة، فيَرسُمُ عَملاً في الأرضِ يَنتَظِرُ نَماءً. ويُضافُ الحَرثُ إلى قومٍ تُعرِّفُهم الصِّلةُ لا الاسم: ظلموا أنفسهم. الظُّلمُ من ظ-ل-م حَجبٌ غاشٍ يَمتَدُّ ثمّ يَجتَمِعُ في إطباق، ومَفعولُه أنفسُهم. فقبلَ هَلاكِ الحَرثِ يَثبُتُ أنَّهم جَعَلوا الظُّلمَ واقعاً على ذواتِهم.

«فَأَهْلَكَتْهُ»: الإصابةُ تَنتَهي بزَوالِ الحَرث

تَربِطُ الفاءُ إصابةَ الريحِ بنتيجتِها المباشرة: أهلكته. ضميرُ المفعولِ المفردِ يَعودُ إلى الحَرث، لا إلى القوم، فيَحفَظُ مَوضِعَ الهَلاكِ داخلَ الصُّورة. الهَلاكُ من ه-ل-ك مَجرىً خالٍ يَمتَدُّ ثمّ يَكتُمُ ويَقطَع، فيَزولُ الشيءُ من مَوضِعِ نَمائِه. وصيغةُ الإفعالِ تُسنِدُ الإهلاكَ إلى الريحِ الحاملةِ للصِّر. هكذا يَبلُغُ المَثَلُ غايَتَه: عَمَلٌ مُنتَظَرُ الثَّمرِ يَصيرُ إلى زَوال.

«وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»: الظُّلمُ يَرجِعُ إلى الأنفُس

تَخرُجُ الواوُ من الصُّورةِ إلى الحُكم، وتَنفي «ما» أن يكونَ الله ظلمهم. ثمّ تَستدرِكُ «لكن» وتُقَدِّمُ «أنفسهم» قبلَ المضارعِ «يظلمون»، فيَبرُزُ المفعولُ الذي يَتَلقّى الفِعلَ منهم. التَّقديمُ يَشُدُّ الظُّلمَ إلى ذواتِهم، والمضارعُ يَحمِلُ استمرارَه، مُقابِلَ الماضي المنفيِّ عن الله. فالجُملتانِ معاً تَرُدّانِ سَبَبَ الهَلاكِ إلى أصحابِ الفِعل: نَفيٌ تامٌّ عن جِهةٍ، وإثباتٌ مُستَمِرٌّ في جِهةٍ أُخرى.


حَصيلة

يُصوِّرُ المَثَلُ ما يُنفِقونَ في الحياةِ الدنيا ريحاً تَحمِلُ صِرّاً، فتُصيبُ حَرثَ قومٍ وَقَعَ ظلمُهم على أنفسِهم ثمّ تُهلِكُ الحَرث. كلُّ ضميرٍ يَحفَظُ مَحلَّه: الريحُ تُصيب، والحَرثُ يُهلَك، والقومُ يَظلمونَ ذواتَهم. وبعدَ اكتمالِ الصُّورةِ يَنفي النصُّ الظُّلمَ عن الله ويَرُدُّه بالمضارعِ إليهم. فذَهابُ أثرِ الإنفاقِ يُقرأُ من بِنْيةِ المَثَلِ ومن مسؤوليّةِ فاعِليه: عَمَلٌ خَرَجَ إلى مَوضِعِ نَماءٍ ثمّ أصابَه ما يُهلِكُه.