آل عمران · الآية 123

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

«وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ»: النَّصرُ ثابِتٌ وفاعِلُه الله

تَعطفُ الواوُ شاهداً سابقاً على الأمرِ بالتوكل، وتجتمعُ اللامُ و«قد» لتثبيتِ وقوعِ النصرِ في الماضي. والنصرُ من ن-ص-ر، وهو احتواءٌ باطنٌ يَلتقي بإمساكٍ صلبٍ ثمّ يجري في عونٍ يَحملُ صاحبه. وضميرُ المخاطبينَ مفعولٌ به، واسمُ الله فاعلٌ ظاهرٌ يأتي بعده، فتُسندُ الجملةُ النصرَ إلى مصدرِه وتَضعُ المخاطبينَ في موضعِ مَن وقعَ عليهم العون.

«بِبَدْرٍ»: الاسمُ الملفوظُ يَحُدُّ مَوضِعَ الذِّكر

والباءُ تَصِلُ النَّصرَ بـ«بدر»، وهو الاسمُ الذي نَطَقَت به الآيةُ فيُحفَظُ كما هو. ومادّةُ ب-د-ر اتصالٌ يَدفعُ نافذاً ثمّ يَجري مُستَرسِلاً، فيَحمِلُ حَرَكةَ المُبادَرةِ والوُصولِ الباكر، غيرَ أنَّ الاسمَ هنا عَلَمٌ داخلَ العبارةِ قبلَ أيِّ اشتِقاق. ومَحلُّ النظرِ أنَّ النَّصرَ الثابِتَ من اللهِ اتَّصَلَ ببدرٍ بالباءِ نفسِها التي تَصِلُ الفِعلَ بمَحلِّه، فصارَ الاسمُ عَلامةً على مَوضِعِ العَون، وعُدِلَ به عن أن يَكونَ عَلامةً على قُدرةِ مَن وَقَعَ عليه.

«وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ»: الضَّعفُ لا يَمنَعُ وُرودَ النَّصر

والواوُ حالية، و«أنتم» يُظهرُ المخاطبينَ في حالِ وقوعِ النصر. و«أذلة» جمعٌ من ذ-ل-ل، وأصلُه إبرازٌ يتعلّقُ ويمتدُّ ثمّ يُكثّفُ تكرارُ اللامِ خضوعَ الحركة، فتَضعُهم الحالُ في موضعِ الضعفِ والانخفاض. واقترانُ النصرِ بهذه الحالِ يَفصلُ العونَ عن الاستغناءِ الذاتي ويَرده إلى الفاعلِ الظاهرِ الذي سمّتْه الجملة، وهو الله.

«فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»: النَّصرُ يَفتَحُ وِقايةً وشُكراً

وتَربِطُ الفاءُ الشَّاهدَ بأمرٍ حاضِر: اتّقوا الله. والوِقايةُ من و-ق-ي عَقدٌ يُحكَمُ في العُمقِ ثمّ يَسري لَيِّناً حَولَ صاحِبِه، وصيغةُ الافتِعالِ تَنقُلُ المخاطَبينَ من مَوضِعِ مَن وَقَعَ عليه العَونُ إلى مَوضِعِ مَن يَعمَلُ لصَونِ نفسِه. و«لعلّكم» تَفتَحُ الغايةَ في المضارعِ «تشكرون»، والشُّكرُ من ش-ك-ر حَصرٌ يَكتُمُ ويُمسِكُ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً، فيَحفَظُ النِّعمةَ ويُظهِرُ أثرَها. فذِكرُ النَّصرِ يَنقُلُ إلى وِقايةِ الله وشُكرِ فِعلِه، ولا يُغذّي الفَخر.


حَصيلة

تُقيمُ الآيةُ مِيزانَ التَّوكُّلِ على واقعةٍ سَمّاها النصُّ ببدرٍ فحَفِظَ اسمَها كما نَطَقَ به. والنَّصرُ مُؤكَّد، وفاعِلُه الله، والمخاطَبونَ مَحلُّه في حالِ أنَّهم أذلّة، ولذلك لا يَنفَذُ منه ادِّعاءُ قُوّةٍ ذاتيّةٍ مستقلّةٍ بذاتها أبداً. ثمّ يَصيرُ الماضي تكليفاً حاضراً: وِقايةٌ عامِدةٌ متَّجِهةٌ إلى الله، ورَجاءُ شُكرٍ يَحفَظُ أثرَ العَون. فيَبقى الاسمُ الملفوظُ شاهِداً واحِداً كافياً على عَونٍ نَزَلَ في حالِ ذِلّة، فأورَثَ وِقايةً وشُكراً.