آل عمران · الآية 86

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

«كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا»: السُّؤالُ يَطلُبُ إمكانَ الكَيفيّة

تَفتَحُ «كيف» استفهاماً عن إمكانِ الهِدايةِ لمَن سيأتي وَصفُهم. وفي ه-د-ي يَخرجُ النَّفَسُ فاتحاً مَجرىً، ثمّ تَضبطُه الدالُ في وِجهته ويَمدُّه الياءُ بلِين، غيرَ أنّ السؤالَ يَضعُ هذا المجرى بإزاءِ قومٍ ستَكشفُ ثلاثُ جملٍ ما صنعوه. والفاعلُ اسمُ الجلالة، والمفعولُ «قوماً» يَكتسبُ تمامَ حدِّه من تلك الأوصاف، فتَصيرُ «كيف» مواجهةً بينَ جهةِ الهدايةِ وحالِهم.

«كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ»: البَعديّةُ تَجعَلُ الحَجبَ انقلاباً

وأوّلُ الأوصافِ فِعلٌ ماضٍ جَمعيّ: «كفروا». وفي ك-ف-ر يَقبضُ الكافُ الشيءَ في الدّاخل، ثمّ يَفتحُ الفاءُ شَقّاً ضيّقاً، ويَجري الراءُ بالحَجبِ على ما كانَ حاضراً. ويَمنحُ الظرفُ «بعد» هذه الحركةَ هنا حدَّها الحاسم: السَّترُ تالٍ لإيمانٍ كانَ مضافاً إليهم. والإيمانُ من أ-م-ن، وفيه يَنطلِقُ التهيّؤُ ثمّ يَستقرُّ في باطنٍ مأمونٍ ويَظهرُ أثرُه ثقةً. ولذلك تُري الجملةُ يداً من الحَجبِ امتدّت فوقَ ثقةٍ سبقتْ واستقرّت، ولا تقفُ عندَ وضعِ حالتينِ متجاورتين.

«وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ»: الحُضورُ ثَبَتَ في شَهادة

ثمّ تَعطفُ الواوُ فعلاً ماضياً ثانياً: «شهدوا». وفي ش-ه-د يَنتشرُ الحضورُ حتى يَخفتَ الفاصلُ بينَ الشاهدِ والمشهود، ثمّ تَحبسُ الدالُ هذا الانتشارَ في ثباتٍ مضبوط، فالشهادةُ حضورٌ استقرَّ قولاً. ومضمونُها جملةٌ مؤكدة: «أن الرسول حق». وفي ح-ق-ق يَنعقدُ الاحتواءُ في العمقِ ويُضاعفُ تكرارُ القافِ إحكامَه، فيَدخلُ وصفُ الحقِّ نفسه في شهادتهم.

«وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ»: الوُضوحُ وَصَلَ إليهم

والواوُ تَعطِفُ الجُملةَ الثالثة، والفاعِلُ فيها «البينات»، والضميرُ مَحلُّ الوُصول. وفي ب-ي-ن يَنفَتِحُ الباطِنُ فيَخرُجُ ما فيه سارياً حتى يَظهَرَ الفرقُ بيّناً ويَنفَصِلَ الشَّيءُ عمّا حَولَه، فيَكونُ المجيءُ وصولَ وضوحٍ إليهم، ولا يَقفُ عندَ المرور. والجمعُ يُكثّرُ الشواهد، والماضيُ يَجعلُ وصولَها جزءاً واقعاً من وصفِ القوم، وبهذا تَجتَمِعُ البَعديّةُ والشَّهادةُ ومَجيءُ البيّنات حولَ سؤالِ الهِداية.

«وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»: الخِتامُ يَنقُلُ السُّؤالَ إلى قاعِدة

وتَستأنِفُ الواوُ جُملةً اسميّةً باسمِ الله، ثمّ تُعيدُ فِعلَ الهِدايةِ من الاستِفهامِ تحتَ النَّفي، ويُعادُ «القوم» مع وَصفٍ يَجمَعُ أفعالَهم: الظالمين. وفي ظ-ل-م يُطبِقُ الغِطاءُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، حتى يَحجبَ ما كان ينبغي أن يَظهر. وصيغةُ «الظالمين» تَعرضُ القومَ قائمينَ بهذه الحركةِ التي صاغَتْها أفعالُهم الثلاثة، فيَجيءُ نفيُ الهدايةِ خاتمةً لحالٍ استمرَّ عملُها فيهم.


حَصيلة

تَسألُ الآيةُ عن كيفيةِ هِدايةِ قومٍ لا يَجيءُ وصفُهم من جَهالةٍ مُطلَقة: كَفَروا بعدَ إيمانِهم، وشَهِدوا أنَّ الرسولَ حقّ، وجاءَتهم البيّنات. والأفعالُ كلُّها ماضية، فتُحيطُ بالسُّؤالِ كتَسلسُلٍ واقِع. ثمّ يَأتي الخِتامُ فيُعيدُ الهِدايةَ تحتَ النَّفي ويَسمّي القومَ بوصْفِهم الفاعِل: الظالمين. فـ«كيف» مُواجَهةٌ بينَ مَجرى الهِدايةِ وبينَ حَجبٍ تالٍ للثِّقةِ والشَّهادةِ والوُضوح، وليست فَراغاً يُملأُ بقِصّة.