آل عمران · الآية 85

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ

«وَمَن يَبْتَغِ»: العُمومُ يَعودُ إلى فِعلِ الطَّلب

تَصِلُ الواوُ الحُكمَ بالسُّؤالِ السابقِ «أفغير دين الله يبغون»، ثمّ تأتي «مَن» شَرطيّةً عامّة. وصيغةُ الافتِعالِ في «يبتغ» تُدخِلُ الفاعِلَ عامِداً في طَلَبِه، فلا يَكونُ المَشهدُ شيئاً وَقَعَ عليه بغيرِ سَعي. وفي «يَبتَغِ» تَنفَتِحُ الباءُ خارِجةً عمّا هو قائم، وتَغورُ الغَينُ في طَلَبِ ما وَراءَه، وتَسري الياءُ بالطَّلَبِ إلى مَطلوبٍ تُسَمّيه الجُملةُ بَعدَها؛ فالابتِغاءُ حَرَكةٌ تَبدَأُ من مَوضِعٍ ثمّ تُفارِقُه. والفِعلُ مضارعٌ يَعرِضُ الطَّلبَ في جَرَيانِه لا في تَمامِه، فيَبقى الشَّرطُ مَفتوحاً كُلَّما تَحَرَّكَت هذه الحَرَكة. وتُعَرِّفُ الآيةُ صاحبَ الشَّرطِ بحَرَكةِ ابتِغائِه، فعَليها يَقَعُ الجَزاءُ وبها يُعرَفُ صاحِبُها.

«غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا»: المَطلوبُ يُضبَطُ بالمُغايرة

يَقَعُ «غير» مفعولاً للطَّلب، ثمّ يُضافُ إلى الإسلامِ فيُحَدِّدُ جِهةَ المُغايرة، ويأتي «ديناً» تَمييزاً أو بياناً لِنوعِ المَطلوب. وفي «الإسلام» تَجري السِّينُ في مَضيقٍ مُحكَم، وتَتَعَلَّقُ اللامُ بالوِجهةِ فتَحوزُها، وتَضُمُّ الميمُ ما تَعَلَّقَ في حالٍ واحِدةٍ مُتَلاصِقة؛ وصيغةُ الإفعالِ تَنقُلُ الفاعِلَ إلى داخِلِ هذه الحال. فالمُقابَلةُ في الآيةِ بينَ دُخولٍ في وِجهةٍ جامِعةٍ وطَلَبٍ يَخرُجُ عنها، والمَطلوبُ الثاني مُعَرَّفٌ بمُفارَقةِ الأوّلِ لا بذاتِه: «غيرَ الإسلام». وقد أظهَرَت الآيةُ السابقةُ سَعَةَ هذا التَّسليمِ في السماواتِ والأرض، فيَجيءُ الطَّلَبُ هنا خُروجاً على ما أَسلَمَ له الحَيِّزان.

«فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ»: الجَوابُ يَنفي القَبولَ إلى الأَمام

تَربِطُ فاءُ الجَوابِ الطَّلبَ بمآلِه المباشِر، وتأتي «لن» فتَنفي القَبولَ في المُستَقبَلِ الذي يَفتَحُه السِّياق. والقَبولُ في ق-ب-ل عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمق، ثمّ تُمسِكُ الباءُ ما التَأَم، ثمّ تَمُدُّ اللامُ الإمساكَ إلى ما يُواجِهُه فتَحوزُه؛ فالقَبولُ أَخذٌ يَنعَقِدُ في الباطِنِ قَبلَ أن يَبدوَ في الظاهِر. والفِعلُ مبنيٌّ للمجهول، فيَبقى الفاعِلُ غيرَ مُصَرَّحٍ به والنَّظَرُ كُلُّه على الطَّلَبِ الذي لا يَنعَقِدُ له قَبول. و«منه» تُثبِتُ مَصدَرَ ما لا يُقبَل في صاحبِ الابتِغاءِ نَفسِه، فيَعودُ الحُكمُ إلى مَن تَحَرَّكَ لا إلى ما تَحَرَّكَ إليه. وهكذا تُقيمُ الآيةُ صِلةً قاطِعةً بينَ نَوعِ الطَّلبِ ونَفيِ تَلَقّيه.

«وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»: ما بَدَأَ طَلَباً يَصيرُ مَوضِعاً يَستَقِرُّ فيه

تَأتي الواوُ بجُملةٍ اسميّةٍ حالية، فيَنتَقِلُ الضميرُ من «منه» إلى «هو» ويبقى صاحِبُ الشَّرطِ هو المَحور. الخُسرانُ من خ-س-ر اختِراقٌ يُحدِثُ فَراغاً ونَقصاً ثمّ يَجري في مَجرىً دَقيقٍ مُمتَد؛ فهو ذَهابٌ يَترُكُ صاحِبَه دونَ ما طَلَب. ولم يَقُلْ «يَخسَرُ» فيَكونَ حَدَثاً في وَقت، بل جاءَ «من الخاسرين» فأَدخَلَه في جَماعةٍ قائمةٍ بهذا الوَصفِ قَبلَ مَجيئِه. و«في الآخرة» يَضبِطُ مَوقعَ الوَصف، فيَصيرُ ما بَدَأَ حَرَكةَ طَلَبٍ صِفةَ مَوضِعٍ يَستَقِرُّ فيه صاحِبُه. هكذا يَمتَدُّ نَفيُ القَبولِ من فِعلٍ لا يُتَلَقّى إلى حالٍ لا تَتَغَيَّر.


حَصيلة

تَصوغُ الآيةُ طَريقاً شَرطيّاً مُحكَماً: مَن يَدخُلُ عامِداً في ابتِغاءِ دِينٍ غيرِ الإسلام، يَلحَقُه جَوابٌ تَحمِلُه الفاءُ و«لن»: لا يُقبَلُ منه. ثمّ لا يَبقى الجَوابُ فعلاً مَنفِيّاً فقط؛ تَنتَقِلُ الواوُ إلى حالِ صاحبِه في الآخرة، فتَضَعُه بينَ الخاسرين. المَعيارُ لا يُبنَى على اسمِ جَماعةٍ أو مَوروث، بل على ابتِغاءٍ له مَطلوبٌ مُغاير، ونَفيِ قَبولٍ يَتَّصِلُ به، وخُسرانٍ يَصيرُ وَصفاً مُستَمِرّاً.