آل عمران · الآية 90
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ»: الحَجبُ يَقَعُ على حالٍ كانَت لهم
تَفتَحُ «إنّ» جُملةً مُؤكَّدة، ويأتي الاسمُ الموصولُ ليُعرِّفَ أصحابَ الحُكمِ بصِلتِهم. وفي «كَفَروا» تَكتُمُ الكافُ ما كانَ ظاهِراً، وتَشُقُّ الفاءُ لهذا الكَتمِ مَنفَذاً ضَيِّقاً، وتَجري الراءُ به مُستَرسِلاً فلا يَقِفُ عندَ حَدّ؛ ولذلك صَلَحَ أن يُقالَ بعدَه «ثمّ ازدادوا»، فكَتمٌ يَجري يَقبَلُ الزِّيادةَ ولا يَنقَضي بأوّلِ مَرّة. و«بعدَ إيمانِهم» يَجعَلُ الفِعلَ تالياً لا مُبتَدَأً. وفي «إيمانِهم» تَتَهَيَّأُ الهمزةُ بضَغطٍ مَحبوس، وتُمسِكُ الميمُ ما تَهَيَّأَ في جَوفٍ يَحتَويه، وتَنبَعِثُ النونُ به لَطيفاً إلى الخارِج؛ فالإيمانُ حالٌ باطِنةٌ لها أَثَرٌ يَظهَر. والضميرُ يُضيفُ هذه الحالَ إليهم مِلكاً سابِقاً، فما جاءَ بَعدَها إنَّما وَقَعَ على شَيءٍ كانَ لهم.
«ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا»: التَّراخي يَنقُلُ الحَجبَ إلى زِيادة
تَأتي «ثمّ» بتَراخٍ يَمنَعُ دَمجَ الفِعلَينِ في لَحظةٍ واحِدة. الزِّيادةُ من ز-ي-د اكتِنازٌ يَمتَدُّ في سَريانٍ ثمّ يَثبُتُ تحتَ ضَغطٍ فيَصيرُ أَكثرَ ممّا كان. وصيغةُ الافتِعالِ في «ازدادوا» تُدخِلُ أصحابَها في حَرَكةِ الاكتِسابِ والتَّنامي. ويأتي «كفراً» تَمييزاً يُحدِّدُ الشيءَ الذي زاد، فلا تُترَكُ الزِّيادةُ عامّة.
«لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ»: مَناطُ الحُكمِ مَسارٌ عُرِفوا به
تَأتي «لن» جَواباً على الاسمِ الموصولِ بكلِّ صِلتِه: كَفَروا بعدَ إيمانِهم، ثمّ ازدادوا كُفراً. القَبولُ من ق-ب-ل عَقدٌ يَلتَئمُ في العُمقِ ويَتَّصِلُ ثمّ يَمتَدُّ إلى ما يَتَلَقّاه. والفِعلُ مبنيٌّ للمجهولِ ومنفيّ، أمّا نائبُ الفاعِلِ فهو «توبتهم». التَّوبةُ من ت-و-ب انفِلاتٌ من مَسارٍ يَنعَقِدُ في إحاطةٍ عائدةٍ ثمّ يَتَّصِلُ بوِجهةٍ جديدة. لكنّ الضميرَ يَنسُبُها إلى أصحابِ الزِّيادةِ المَذكورة، و«لن» تَنفي قَبولَها عنهم. وهذا النَّفيُ مَعقودٌ على الصِّلةِ التي سَمّاها النَّظمُ كامِلةً: توبةُ مَن كَفَرَ بعدَ إيمانٍ ثمّ زادَ في كُفرِه، فمَناطُ الحُكمِ هو المَسارُ الذي عُرِّفوا به.
مُقابَلةُ «تَابُوا وَأَصْلَحُوا» بـ«ازْدَادُوا كُفْرًا»: السِّياقُ يُميِّزُ المَسارَين
الآيةُ السابقةُ استَثنَت «الذين تابوا ... وأصلحوا»، أمّا هذه فتَصِلُ الكُفرَ بعدَ الإيمانِ بـ«ثمّ ازدادوا كفراً». فالمُقابَلةُ نابعةٌ من ألفاظِ النَّظمِ نفسِه: هناك رُجوعٌ يُتبَعُ بإصلاح، وهنا حَجبٌ يُتبَعُ بزِيادةٍ في الحَجب. لذلك يَرتَبِطُ اختلافُ المآلِ باختلافِ الحَرَكةِ المَذكورة، لا بتَناقُضٍ بينَ بابِ الغُفرانِ ونَفيِ القَبول. «ثمّ» هي المِفصَلُ الذي يَكشِفُ اتجاهَ المَسارِ الثاني إلى الأَكثر، لا إلى العَودةِ والإصلاح.
«وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ»: الخِتامُ يُثبِتُ وَصفَ المَسار
تَعطِفُ الواوُ جُملةً اسميّة، ويَعودُ اسمُ الإشارةِ إلى أصحابِ الصِّلةِ بكامِلِها. ثمّ يَأتي الضميرُ «هم» فاصِلاً يُشَدِّدُ انطِباقَ الوَصف. وفي «الضالّون» تَضُمُّ الضادُ ضَمّاً ثَقيلاً ثمّ تَنفَرِجُ عنه، وتَتَعَلَّقُ اللامُ بمَسارٍ فتَمتَدُّ فيه، ثمّ يُضاعِفُ تَكرارُ اللامِ هذا الامتِدادَ حتى يَبعُدَ صاحِبُه عن وِجهَتِه وهو ماضٍ في السَّير؛ فالضَّلالُ امتِدادٌ لا وُقوفٌ فيه، وهو بهذا يُشاكِلُ الزِّيادةَ المَذكورةَ قَبلَه. وجاءَ الوَصفُ اسماً لا فِعلاً، فلم يُقَل «يَضِلّون» بل «هم الضالّون»، فاستَقَرَّ الوَصفُ عليهم استِقرارَ الخَبَرِ على المُبتَدَأ. وهو خُلاصةُ مَسارٍ انتَقَلَ من الإيمانِ إلى الكُفرِ ثمّ إلى الزِّيادةِ فيه.
حَصيلة
تُثبِتُ «إنّ» أصحابَ حَرَكةٍ مُرَكَّبة: كُفرٌ بعدَ إيمان، ثمّ زِيادةٌ في الكُفر. ويَتَعَلَّقُ نَفيُ قَبولِ تَوبتِهم بهذه الصِّلةِ كاملة، فلا يُنتَزَعُ من المَسارِ الذي عَرَّفَهم. ويُظهِرُ الجِوارُ مع الآيةِ السابقةِ فَرقاً مَلفوظاً: توبةٌ وإصلاحٌ هناك، وزِيادةٌ في الحَجبِ هنا. ثمّ يَجمعُ اسمُ الإشارةِ الأفعالَ ويُثبِتُ عليها وصفَ الضَّلالِ المُستَمِر. فالمآلُ يَتَّبِعُ اتِّجاهَ الحَرَكة: رُجوعٌ يُصلِح، أو حَجبٌ يَزداد.