النساء · الآية 41

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا

«فَكَيْفَ»: سُؤالٌ عن هَيئةٍ يُطوى جَوابُها

تَصِلُ الفاءُ الآيةَ بِما قَبلَها: بَعدَ أن تَقَرَّرَ أنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرّة، يَأتي السُّؤال: «فكَيفَ». و«كَيفَ» من ك-ي-ف، سُؤالٌ عن الهَيئةِ التي يَكونُ عَلَيها الشَّيءُ دونَ السُّؤالِ عن وُجودِه، والمَسؤولُ عَنه مَطوِيٌّ في الكَلام: كَيفَ تَكونُ الحالُ يَومَئذ. وطَيُّ الجَوابِ يَجعَلُ السّامِعَ هو الذي يَملَؤُه، والهَيئةُ المَسؤولُ عَنها هَيئةُ مَشهَدٍ يوزَنُ فيه كُلُّ شَيءٍ بِالذَّرّة.

«إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ»: شاهِدٌ يَخرُجُ من داخِلِ جَماعَتِه

و«إذا» ظَرفٌ لِما يُستَقبَل، دَخَلَت على ماضٍ «جِئنا» فجَعَلَتِ الآتيَ كأنَّه وَقَع. و«جاءَ بِـ» تَعني أحضَرَ، والباءُ تُعَدّي الفِعلَ إلى الشّاهِد، والمُحضِرُ هو المُتَكَلِّمُ بِضَميرِ «نا». والمَجيءُ من ج-ي-ء، وحَرفاه الصَّحيحانِ اجتِماعٌ يَنبَثِقُ حاضِراً، والياءُ بَينَهُما تَمُدُّ المَسيرَ من الغِيابِ إلى الحُضور. و«من كُلِّ أُمّةٍ»: الأُمّةُ من أ-م-م، جَماعةٌ يَجمَعُها قَصدٌ واحِد، و«مِن» تَجعَلُ الشّاهِدَ خارِجاً من داخِلِها، فلِكُلِّ جَماعةٍ شاهِدٌ مِنها. وهو المَعنى الذي يَظهَرُ في مَوضِعٍ آخَر: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾.

والشَّهيدُ من ش-ه-د، حِسٌّ يَنتَشِرُ في المَكانِ الذي يَحضُرُه صاحِبُه ثُمَّ يَنحَبِسُ فيه ما أدرَكَ فيَثبُت، فالشّاهِدُ مَن حَضَرَ فثَبَتَ عِندَه ما رَأى. و«شَهيد» على فَعيلٍ لِشَهادةٍ ثابِتةٍ في صاحِبِها، وتَنكيرُه بَعدَ «كُلّ» يَجعَلُ لِكُلِّ أُمّةٍ شاهِداً واحِداً يُؤتى بِه. فالمَشهَدُ الذي يَسألُ عَنه «فكَيفَ» مَشهَدُ حُضور: جَماعاتٌ كَثيرة، ومن كُلٍّ مِنها شاهِدٌ قد حَضَرَ وثَبَتَ عِندَه ما حَضَر.

«وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا»: مُخاطَبٌ يُحضَرُ شاهِداً على حاضِرين

ثُمَّ يَتَحَوَّلُ الخِطابُ إلى مُفرَد: «وجِئنا بِكَ»، والكافُ ضَميرُ مُخاطَبٍ واحِد، يُحضَرُ كما يُحضَرُ الشُّهودُ من الأُمَم. وفي المَوضِعِ الأوَّلِ كانَ الشّاهِدُ هو المَجيءَ بِه: «بِشَهيد»، وفي الثّاني صارَ المُخاطَبُ هو المَجيءَ بِه: «بِكَ»، وجاءَ «شَهيداً» مَنصوباً حالاً يَصِفُ الهَيئةَ التي يُحضَرُ عَلَيها. و«على» تَجعَلُ شَهادَتَه قائمةً فَوقَ مَن يُشهَدُ عَلَيهِم.

و«هؤلاء» اسمُ إشارةٍ إلى حاضِرينَ قَريبين، والمُشارُ إلَيهِم مَفتوحٌ على وُجوه: فقد يَكونونَ الشُّهودَ الذينَ ذُكِروا لِتَوِّهِم من كُلِّ أُمّة، فيَكونُ المُخاطَبُ شاهِداً على الشّاهِدين، وقد يَكونونَ الحاضِرينَ الذينَ يَسمَعونَ الخِطاب، وقد يَكونونَ مَن وُصِفوا في الآياتِ من السّابِعةِ والثَّلاثينَ إلى التّاسِعةِ والثَّلاثين. وفي مَوضِعٍ آخَرَ جاءَتِ العِبارةُ بِتَقديمِ «شَهيداً»: وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾، وقُدِّمَ هُنا «على هؤلاء»، فيَقَعُ النَّظَرُ أوَّلاً على مَن تَقومُ عَلَيهِمُ الشَّهادة.


حَصيلة

تَصِلُ الفاءُ الآيةَ بِمِيزانِ الذَّرّةِ قَبلَها، ثُمَّ تَسألُ «فكَيفَ»، و«كَيفَ» من ك-ي-ف سُؤالٌ عن الهَيئة، يُطوى جَوابُه لِلسّامِع. والمَشهَدُ آتٍ مَقطوعٌ بِه بِـ«إذا» والفِعلِ الماضي: مَجيءٌ من ج-ي-ء يُحضِرُ فيه اللهُ من كُلِّ أُمّةٍ، والأُمّةُ من أ-م-م جَماعةٌ يَجمَعُها قَصدٌ، شاهِداً يَخرُجُ من داخِلِها، والشَّهيدُ من ش-ه-د مَن حَضَرَ فثَبَتَ عِندَه ما رَأى. ثُمَّ يُحضَرُ المُخاطَبُ بِكافِ الخِطاب، وتَصيرُ الشَّهادةُ هَيئَتَه، و«على» تَجعَلُها فَوقَ «هؤلاء»، والمُشارُ إلَيهِم مَفتوحٌ بَينَ الشُّهودِ من الأُمَم، والحاضِرينَ حَولَ الخِطاب، ومَن وُصِفوا قَبلُ. فالآيةُ تَرسُمُ بَعدَ المِيزانِ حُضوراً: شُهودٌ من كُلِّ جَماعة، وشاهِدٌ عَلَيهِم يُخاطَب.