النساء · الآية 40

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا

«إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ»: مِيزانٌ وَحدَتُه أصغَرُ ما يُنثَر

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«إنَّ» مُؤَكِّدةً حُكماً عامّاً: «إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرّة». والظُّلمُ من ظ-ل-م، غِشاءٌ حاجِبٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَلزَمُه فيُمسِكُه عن صاحِبِه، ومنه «ظَلَمَه حَقَّه» حَجَبَه عَنه. و«مِثقالَ» على مِفعالٍ من ث-ق-ل، ما يُعرَفُ بِه ثِقَلُ الشَّيءِ ويُوزَن، و«ذَرّة» من ذ-ر-ر، والذَّرُّ دَقائقُ تُنثَرُ عن أصلِها مُتَتابِعة، والتّاءُ في «ذَرّة» تُفرِدُ واحِدةً مِنها. فوَحدةُ الوَزنِ في الآيةِ أصغَرُ ما يُنثَرُ ويُعَدّ. ونَصبُ «مِثقالَ» يَحتَمِلُ أن يَكونَ مَفعولاً لِـ«يَظلِم» بِمَعنى يُنقِص، أو قَدراً لِظُلمٍ مَطوِيٍّ في الكَلام، والوَزنُ في الوَجهَينِ واحِد: لا يُحجَبُ عن أحَدٍ من حَقِّه شَيءٌ ولو بِقَدرِ ذَرّة.

ويَأتي هذا الحُكمُ بَعدَ ذِكرِ مَن يُمسِكُ ويَكتُمُ في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثين، ومَن يُنفِقُ لِلأعيُنِ في الآيةِ الثّامِنةِ والثَّلاثين. فالذينَ حَبَسوا ما في أيديهِم عن مُستَحِقّيه يُقالُ في جِوارِهِم إنَّ اللهَ لا يَحجُبُ عن أحَدٍ مِثقالَ ذَرّةٍ من حَقِّه. وقد جاءَ المِقياسُ نَفسُه في فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، فالذَّرّةُ في المَوضِعَينِ أصغَرُ ما يَدخُلُ في المِيزان.

«وَإِن تَكُ حَسَنَةً»: الذَّرّةُ إذا كانَت فِعلاً جَميلاً

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من نَفيِ الظُّلمِ إلى الزِّيادة: «وإن تَكُ حَسَنةً». و«تَكُ» فِعلُ «كانَ» مَجزوماً بِـ«إن»، حُذِفَت مِنه النّونُ فجاءَ على أخَفِّ هَيئاتِه، و«حَسَنةً» مَنصوبةٌ خَبَراً لَه، واسمُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ مُؤَنَّثٌ يَعودُ على «مِثقالَ ذَرّة»، وأُنِّثَ لِإضافَتِه إلى الذَّرّة. فالمَعنى: وإن تَكُن تِلكَ الذَّرّةُ من العَمَلِ حَسَنة. والحَسَنةُ من ح-س-ن، الفِعلُ يُؤتى بِه على أجمَلِ وَجهِه، كما قُرِئَ «إحساناً» في الآيةِ السّادِسةِ والثَّلاثين. فالآيةُ تَضَعُ الجَمالَ في أصغَرِ مِقدارٍ من العَمَل، وتَجعَلُه مَحَلَّ الوَعد.

«يُضَاعِفْهَا»: المِثلُ يُضَمُّ إلى مِثلِه

وجَوابُ الشَّرطِ «يُضاعِفْها»، والمُضاعَفةُ من ض-ع-ف، وفي الجِذرِ «الضِّعف» وهو المِثلُ يُضَمُّ إلى مِثلِه فيَنفَرِجُ عَنه عَدَداً، وبِناءُ فاعَلَ يُتابِعُ هذا الضَّمَّ مَرّةً بَعدَ مَرّة، والآيةُ تُطلِقُه بِلا عَدَدٍ يَحُدُّه. وهذا الجِذرُ نَفسُه سَمّى في الآيةِ الثّامِنةِ والعِشرينَ ضَعفَ الإنسان: «وخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً»، فالمادّةُ التي وَصَفَت شَقّاً في بِنيَتِه تَصِفُ هُنا تَكثيرَ أصغَرِ ما يَعمَلُه من الحَسَن.

وفي الآيةِ التّاسِعةِ اجتَمَعَ الجِذرانِ ذ-ر-ر وض-ع-ف في «ذُرِّيَّةً ضِعافاً»، ويَجتَمِعانِ هُنا في «ذَرّةٍ» و«يُضاعِفْها»: هُناكَ صِغارٌ لم تَشتَدَّ بِنيَتُهُم يُخافُ عَلَيهِم، وهُنا ذَرّةٌ من العَمَلِ يُضَمُّ إلَيها مِثلُها. فالجِذرانِ اللَّذانِ وَصَفا هُناكَ الصِّغَرَ والضَّعفَ يَصِفانِ هُنا الصَّغيرَ وتَكثيرَه.

«وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا»: عَطاءٌ من عِندِه بِلا واسِطة

ويُعطَفُ على المُضاعَفةِ عَطاءٌ آخَر: «ويُؤتِ مِن لَدُنه أجراً عَظيماً»، و«يُؤتِ» مَجزومٌ حُذِفَت ياؤه، فهو جَوابٌ ثانٍ لِلشَّرطِ نَفسِه. والإيتاءُ من أ-ت-ي، وهو الفِعلُ الذي جاءَ في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثين: «ما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه»، فالعَطاءُ الذي كَتَمَه أولئك يَظهَرُ هُنا من مُعطيه نَفسِه زائداً على المُضاعَفة. و«لَدُن» ظَرفٌ لِأقرَبِ القُرب، أخَصُّ من «عِند»، فالأجرُ يَخرُجُ من عِندِه بِلا واسِطة. والأجرُ من أ-ج-ر، حَقٌّ يَجتَمِعُ على العَمَلِ ثُمَّ يَجري إلى صاحِبِه، ووُصِفَ بِـ«عَظيماً» من ع-ظ-م، كُتلةٌ مُلتَحِمةٌ ثَقيلة. فالآيةُ تَبدَأُ بِذَرّةٍ وتَنتَهي بِعَظيم.


حَصيلة

تُثبِتُ الآيةُ بِـ«إنَّ» أنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرّة: والظُّلمُ من ظ-ل-م حَجبُ الشَّيءِ عن صاحِبِه، والمِثقالُ من ث-ق-ل ما يُعرَفُ بِه الوَزن، والذَّرّةُ من ذ-ر-ر واحِدةٌ من دَقائقَ تُنثَر، فوَحدةُ المِيزانِ أصغَرُ ما يُعَدّ، ويُقالُ ذلك بَعدَ ذِكرِ الذينَ حَبَسوا وكَتَموا. ثُمَّ «وإن تَكُ حَسَنةً»، و«تَكُ» فِعلُ الكَونِ في أخَفِّ هَيئاتِه، و«حَسَنةً» خَبَرُه، والمَعنى أن تَكونَ تِلكَ الذَّرّةُ فِعلاً جَميلاً، فجَوابُها مُضاعَفةٌ من ض-ع-ف، مِثلٌ يُضَمُّ إلى مِثلِه بِلا حَدّ، وقد التَقى الجِذرانِ ذ-ر-ر وض-ع-ف من قَبلُ في «ذُرِّيَّةً ضِعافاً». ويُعطَفُ على المُضاعَفةِ عَطاءٌ من أ-ت-ي يَخرُجُ «من لَدُنه»، أجرٌ من أ-ج-ر وُصِفَ بِالعِظَم. فالمِيزانُ الذي يَبدَأُ بِذَرّةٍ يَنتَهي بِعَظيم، والإيتاءُ الذي كُتِمَ في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثينَ يَعودُ هُنا من مُعطيه.