النساء · الآية 66

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا

«وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ»: كِتابةٌ تُفرَضُ ولم تَقَع

تَضَعُ الآيةُ القَومَ الذينَ جَرى الكَلامُ عَنهُم أمامَ فَرضٍ لم يَقَع: «ولو أنّا كَتَبنا عَلَيهِم». و«لو» تُعَلِّقُ ما بَعدَها بِشَيءٍ لم يَكُن، فالكِتابةُ مَفروضةٌ في الذِّهنِ لِيُقاسَ بِها القَوم. والكِتابةُ من ك-ت-ب، ضَمٌّ مُحكَمٌ يُثَبِّتُ الشَّيءَ على صورةٍ لازِمةٍ لا تَنفَكّ، ومنه «الكَتيبة» جَماعةٌ مُنضَمٌّ بَعضُها إلى بَعض، و«كَتَبَ عَلَيه» ألزَمَه أمراً لا يُنقَض. و«عَلَيهِم» تَجعَلُ هذا الإلزامَ حِملاً يُوضَعُ فَوقَهُم، والضَّميرُ ماضٍ في خَيطِ الآياتِ السّابِقة.

«أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم»: أقصى ما يُطلَب

و«أنْ» تُفَسِّرُ مَضمونَ الكِتابة، وقد انتَقَلَ الكَلامُ بَعدَها من الغَيبةِ في «عَلَيهِم» إلى الخِطابِ في «اقتُلوا» و«دِيارِكُم»، فالكِتابةُ تُحكى بِلَفظِها كأنَّها تُتلى عَلَيهِم. وفيها أمرانِ بَينَهُما «أو»، يَكفي أحَدُهُما: النَّفسُ والدّار. والقَتلُ من ق-ت-ل، قَطعٌ تامٌّ يَفصِلُ الحَيَّ عمّا يَعلَقُ بِه من حَياتِه، والخُروجُ من خ-ر-ج، نُفوذٌ من داخِلِ حَيِّزٍ إلى خارِجِه حتّى يَبرُزَ صاحِبُه مَكشوفاً، و«الدِّيارُ» جَمعُ دار، ما يَدورُ على أهلِه ويَحوطُهُم. فالأمرانِ يَبلُغانِ أقصى ما يُطلَبُ من إنسان: أن يُفارِقَ حَياتَه، أو يُفارِقَ ما يُحيطُ بِحَياتِه. و«أنفُسَكُم» تَحتَمِلُ أن يَقتُلَ كُلُّ واحِدٍ نَفسَه، وأن يَقتُلَ بَعضُهُم بَعضاً، كَما احتَمَلَت ذلك الآيةُ التّاسِعةُ والعِشرون: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾، والعِبارةُ تَحمِلُ الوَجهَين.

والنَّفسُ هُنا رابِعةُ أربَعٍ في آياتٍ مُتَتابِعة: قالَتِ الثّالِثةُ والسِّتّونَ «في أنفُسِهِم قَولاً بَليغاً»، والرّابِعةُ والسِّتّونَ «ظَلَموا أنفُسَهُم»، والخامِسةُ والسِّتّونَ «في أنفُسِهِم حَرَجاً»، وهذه «اقتُلوا أنفُسَكُم». فالكَلامُ في هذا المَقطَعِ يَدورُ على النَّفس: يُقالُ فيها القَول، ويَقَعُ عَلَيها الظُّلم، ويُفَتَّشُ فيها عن الضّيق، ثُمَّ يُفرَضُ فيها أثقَلُ ما يُكتَب. وهذه العِبارةُ نَفسُها قيلَت لِقَومٍ من قَبل: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ في البقرة، وفي آيَتِها تَجتَمِعُ ألفاظٌ تَجري في هذا المَقطَع: ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم﴾ وخَيْرٌ لَّكُمْ﴾ والتَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، فأوَّلُ الأمرَينِ اللَّذَينِ تَفرِضُهُما «لو» هُنا قد قيلَ حَقّاً في تِلكَ الآيةِ لِقَومٍ آخَرين.

«مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ»: عَدَدٌ تَحوزُه اليَد

وجَوابُ «لو» نَفيٌ: «ما فَعَلوه»، والهاءُ تَعودُ على المَكتوبِ المَفروض، أيّاً كانَ من الأمرَين. ثُمَّ استُثنِيَ مِنهُم «قَليلٌ» مَرفوعاً، فهو بَدَلٌ من الواوِ في «فَعَلوه»، والمَعنى أنَّ الفاعِلينَ حينَئذٍ قِلّةٌ من القَومِ أنفُسِهِم، و«مِنهُم» تُثبِتُ أنَّهُم بَعضُ الجَماعة، لا جَماعةٌ أُخرى. والقِلّةُ من ق-ل-ل، مِقدارٌ مَحصورٌ تَحوزُه اليَدُ فلا يَفيضُ عَنها، فالآيةُ تُقَدِّرُ عَدَدَ مَن يَحمِلُ ذلك الفَرضَ بِما يُحمَلُ في كَفّ، وسائرُهُم ما كانوا لِيَفعَلوه.

«وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ»: فِعلٌ يُثَبِّتُ صاحِبَه

ثُمَّ تَأتي «لو» ثانِيةً، وتَنقُلُ الكَلامَ من كِتابةٍ لم تُفرَض إلى شَيءٍ حاضِرٍ بَينَ أيديهِم: «ما يُوعَظونَ بِه». والوَعظُ من و-ع-ظ، كَلامٌ يَبلُغُ عُمقَ السّامِعِ فيُمسَكُ فيه ثُمَّ يُطبِقُ عَلَيه حاجِزاً دونَ ما يَضُرّ، والمُضارِعُ المَبنيُّ لِلمَجهولِ يَجعَلُه وَعظاً يَتَجَدَّدُ عَلَيهِم. وكانَتِ الآيةُ الثّالِثةُ والسِّتّونَ قد أمَرَتِ المُخاطَبَ بِه: «وعِظهُم»، فما «يُوعَظونَ بِه» يَدخُلُ فيه ذلك الكَلامُ نَفسُه. والمُقابَلةُ بَينَ الشَّرطَينِ تُظهِرُ المَسافةَ بَينَهُما: الأوَّلُ كِتابةٌ مُلزِمةٌ تَقَعُ عَلَيهِم من فَوق، لا يَحمِلُها إلّا قَليل، والثّاني كَلامٌ يَدخُلُ إلى داخِلِهِم ويَترُكُ الفِعلَ لَهُم.

وجَوابُ الشَّرطِ الثّاني أمران: «لَكانَ خَيراً لَهُم وأشَدَّ تَثبيتاً». والتَّثبيتُ من ث-ب-ت، شَيءٌ يَتَكاثَفُ ويَلزَمُ مَكانَه فلا يَتَزَحزَح، وبِناؤه على التَّفعيلِ يَجعَلُه فِعلاً يَقَعُ عَلَيهِم ويَشتَدّ، و«أشَدَّ» تَزيدُه قُوّةً على قُوّة. والتَّرتيبُ في الآيةِ يَضَعُ الفِعلَ أوَّلاً ثُمَّ الثَّبات: لو فَعَلوا لَكانَ أشَدَّ تَثبيتاً، فالثَّباتُ ثَمَرةُ العَمَلِ بِالوَعظ، يَأتي بَعدَه ويَنمو مَعَه. وقد تَكَرَّرَ الفِعلُ «فَعَلَ» في الآيةِ مَرَّتَين: «ما فَعَلوه» في الفَرضِ الثَّقيل، و«فَعَلوا» في الوَعظِ الحاضِر، فمَدارُ الآيةِ كُلِّها على الفِعل.


حَصيلة

تَقيسُ الآيةُ القَومَ بِفَرضٍ لم يَقَع: لو كُتِبَ عَلَيهِم أن يَقتُلوا أنفُسَهُم أو يَخرُجوا من دِيارِهِم، وهُما أقصى ما يُطلَبُ من نَفسٍ ومن دار، ما فَعَلَه إلّا عَدَدٌ قَليلٌ مِنهُم. ثُمَّ تَرُدُّهُم إلى ما هو حاضِرٌ بَينَ أيديهِم: الوَعظُ الذي يَبلُغُ أعماقَهُم ويَتَجَدَّدُ عَلَيهِم، ولو عَمِلوا بِه لَكانَ خَيراً لَهُم وأشَدَّ تَثبيتاً. وتَختِمُ الآيةُ سِلسِلةً تَدورُ على النَّفسِ في أربَعِ آياتٍ مُتَتابِعة، وتَستَعيدُ لَفظاً قيلَ لِقَومٍ من قَبلُ في البقرة، وتَجعَلُ الثَّباتَ ثَمَرةً لِلفِعلِ يَنالُها العامِلُ بَعدَ أن يَعمَل.