الهمزة · الآية 1
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَيلٌ»: نِداءُ الهاويَةِ المُستَأنَفُ في كلِّ زَمَن
«وَيل» في العَربيّةِ ليست مُجَرَّدَ دُعاءٍ بالشَّرّ. هي اسمٌ لِواد في النَّار، أو لِما يَقطَعُ السَّبيلَ على صاحِبه، أو لِصَيحَةِ مَن أَطَلَّ عَلى مَهلَكَة. والصَّوتُ نَفسُه في «وَي» تَفَجُّعٌ يَخرُجُ مِن مَن رأى ما لا يُرَدّ. ثمّ تَختِمُه اللامُ فَتَجعَلُه اسماً، حَتى صارَ كَلِمَةَ تَنبيهٍ تُلقى في وَجهِ مَن أَوشَكَ أن يَسقُط.
والآيةُ تُقَدِّمُ الكَلِمَةَ على المَوصوفِ بها لِسَبَب: مَن سَيَسمَعُ السورةَ يُريدُ الكَتلامَ أن يَهَزَّه قَبلَ أن يُعَرِّفَه عَلى مَن يَقَعُ علَيه. تُلقى الصَّيحةُ أوّلاً، ثمّ يُكشَفُ الوَجهُ. فَيَتَلَقّاها كلُّ سامِعٍ كأنَّها قَد تَكونُ له قَبلَ أن يَتَبَيَّنَ أنَّها لِسواه. وهذا ما تُريدُه السورةُ: أن تُوقِفَ القارِئَ لِيَرى أوَّلاً هل فيه شَيءٌ ممّا سيُذكَرُ بَعد.
ولا يَخفى أنَّ القُرآنَ يَستَخدِمُ «وَيل» في مَواضِعَ لا تَتَكَرَّرُ فيها بلا قَصد. تَقولُ البَقَرة: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. والمَوصوفُ هناك مَن أَفسَدَ الكِتابَ المَكتوب، وهنا مَن أَفسَدَ كِتابَ الأَعراض. الفَسادانِ مُتَناظِران: ذاكَ في النَّصِّ المَحفوظ، وهذا في عِرضِ الغائب.
«هُمَزة»: الغَمزُ الذي يَخرُجُ من العَينِ والإشارَة
الجِذرُ ه-م-ز في كَلامِ العَرَبِ يَدورُ عَلى الدَّفعِ الخَفيِّ بأَداةٍ صَغيرة. هَمَزَ الفَرَسَ بِمِهمازِه: نَخَسَه بشَيءٍ ذي طَرَفٍ حادّ. وَهَمَزَ الكَلِمةَ في النُّطقِ: ضَغَطَ عَليها بقَطعِ الحَنجَرة. والهَمزَةُ في الكَتابةِ تُرسَمُ نُقطَةً واحِدَةً تَختَصِرُ هذا القَطعَ كلَّه. فَكُلُّ هَمزٍ في اللُّغةِ نَخسٌ مُرَكَّزٌ في نُقطَة.
والهُمَزَةُ في السورةِ مَن جَعَلَ النَّخسَ صِناعَتَه. لا يَبسُطُ ذِمَّةَ النّاسِ بقَولٍ ظاهِرٍ يُجابَه، بل يَنخُسُها بإشارةٍ من حاجِبٍ، أو غَمزَةٍ بعَينٍ، أو إيماءَةٍ بأُصبُع. هذه أَقَلُّ ما يَملِكُه الإنسانُ من حَرَكة، فجَعَلَها أَداتَه. وَأَخَسُّ ما يُؤذي به: ما يَستَطيعُ الفاعِلُ أن يُنكِرَه إذا نوقِشَ، لأنَّ المَنخوسَ غائِبٌ، ولأنَّ النَّخسَ أَخفى من أن يُمسَكَ.
وَوَزنُ فُعَلَة في «هُمَزة» يَدفَعُ الكَلِمَةَ من حَدَثٍ إلى صِفَة. لم يَهمِز مَرَّةً، بل صار الهَمزُ هَيئَةَ وَجهِه. تَنظُرُ إليه فَتَرى عَينَه في كلِّ ما يَلتَفِتُ إليه تَبحَثُ عَن نُقطَةِ نَخس. مَن صارَ هذا حالَه فقد أَدارَ نَفسَه على عَمَلِ الإِبرَة.
«لُمَزة»: اللَّمزُ الذي يَجري على اللِّسانِ كَأنَّه ماءٌ مُسَمَّم
والجِذرُ ل-م-ز يَدورُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى الطَّعنِ الخَفيِّ بالقَولِ، أو على غَمزَةِ الشِّفاهِ والوَجه. لَمَزَ الرَّجُلَ: عابَه في وَجهِه أو في غَيبَتِه بكَلِمةٍ تَجرَحُ ولا تَفصِح. والفَرقُ الدَّقيقُ بين الهَمزِ واللَّمزِ في عُرفِ كَثيرٍ من اللُّغَويين: الأوّلُ بالغَيبَةِ والإشارَة، والثاني بحَضرَةِ المَلموزِ بكَلامٍ مُلتَوٍ يَفهَمُه ولا يَستَطيعُ رَدَّه.
فالسورةُ بِكَلِمَتَين تَحصُرُ صُنوفَ الإيذاءِ التي تَختَبِئُ خَلفَ المَجالس: غَمزٌ في الظَّهر، ولَمزٌ في الوَجه. كأنَّها تَقول: لا مَخرَجَ لِمَن جَعَلَ هذا حِرفَتَه، لا في غَيبَةِ النّاسِ ولا في حَضرَتِهم. ووَزنُ فُعَلَة هنا أَيضاً يَلصَقُ الفِعلَ بصاحبِه: لُمَزَةٌ مَن كَثُرَ منه اللَّمزُ حَتى صارَ يَلتَزِمُه، كَما يَلتَزِمُ الإِنسانُ مَشيَتَه.
وَفي تَجاوُرِ الكَلِمَتَين دَلالَةٌ لا تُسمَع إلّا للأُذُن المُصغِيَة: الإيقاعُ المُتَطابِقُ يُوحي بأنَّ الفِعلَين شَيءٌ واحِدٌ في الجَوهَرِ، ولكنَّه يَخرُجُ من بابَين. مَن أَغلَقَ علَيه بابَ الغَمزِ بالإشارَة، فَتَحَ لَه بابَ اللَّمزِ بالكَلام. السورةُ تُغلِقُ البابَين معاً.
«لِكُلِّ»: عُموميَّةٌ تَفتَحُ المِرآةَ لكلِّ سامِع
«كُل» في الآيةِ تَجمَعُ ما لا يَجتَمِعُ إلّا تَحتَ هذا الوَصف. لا يُسَمّى شَخصٌ بعَينِه، ولا قَومٌ بأَعيانِهم. مَن انعَقَدَ في باطِنِه أن يَجعَلَ هَمزَ النّاسِ ولَمزَهم صِناعَة، فهو المَعنيّ. وهذه العُموميَّةُ تَجعَلُ السورةَ صالِحةً لكلِّ زَمَنٍ تَتَجَدَّدُ فيه أَدَواتُ الغَمزِ واللَّمز.
وفي زَمانِ القارِئ، الأَدواتُ تَكَثَّرَت: الغَمزَةُ صارَت تَعليقاً ساخِراً، واللَّمزُ صارَ مَنشوراً يَستَدعي ضَحِكَ المُتابِعين. لكنَّ الجَوهَرَ واحِدٌ: نَخسُ غائِبٍ، وعَيبٌ يَجري لِسانَ حَضرَة. والوَزنُ الذي اختارَه القُرآنُ يَتَمَدَّدُ على كلِّ هذه الصُّوَر. مَن جَعَلَها هَيئَتَه دَخَلَ في «كُل»، ولا يَنفَعُه أَنَّ زَمانَه أَتَى بأَدواتٍ غَيرِ التي عَرَفَها العَرَبُ يَومَ التَّنزيل.
حَصيلة
السورَةُ تَبدَأُ بِصَيحَةٍ لا بِخَبَر. «وَيلٌ» نَكِرَةٌ تُطلِقُ التَّهديدَ وَلا تَحصُرُه. «لِكُلِّ» تَجمَعُ كُلَّ مَن يَنطَبِقُ عَلَيه الوَصفُ في أَيِّ زَمانٍ وَمَكان. وَ«وَيل» في العَرَبيَّةِ كَلِمَةٌ تَنفَلِتُ مِنَ الفَمِ كَتَنبيهٍ على هاوِيَة: مَن وَقَفَ هذا المَوقِفَ فَقَد أَطَلَّ على ما لا يُؤمَن. وَالبَقَرَةُ تَستَعمِلُها في وَجهِ مَن أَفسَدَ الكِتابَ المَكتوب: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. وَهُنا الوَيلُ في وَجهِ مَن يُفسِدُ كِتابَ الأَعراض.
ثُمَّ يَأتي الوَصفُ عَلى وَزنٍ ثَقيل: «هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ». وَزنُ فُعَلَةٍ يُلصِقُ الفِعلَ بِصاحِبِه حَتى يَصيرَ صِفَةً راسِخَةً لا حَدَثاً عابِراً. الهُمَزَةُ مَن صارَ الغَمزُ هَيئَتَه التي يَتَنَفَّسُ بِها. وَالكَلِمَتانِ تَتَجاوَران بِإيقاعٍ مُتَوازٍ: حَرفانِ مُختَلِفانِ في الصَّدرِ ثُمَّ يَتَّحِدُ البِناءُ. جِذرُ (ه-م-ز) يَدورُ على نَخسٍ مُرَكَّزٍ في نُقطَة. وَجِذرُ (ل-م-ز) عَيبٌ يُلمِزُ بِاللِّسانِ أَو الإشارَة. الأَوَّلُ بِالعَينِ، وَالثاني بِاللِّسان، وَكِلاهُما يَنخُرُ في عِرضِ الغائِبِ مِن حَيثُ لا يَراه.
وَالسورَةُ سَتُري في آياتِها كَيفَ يَنقَلِبُ الفِعلُ على فاعِلِه. مَن جَعَلَ مِهنَتَه نَقصَ النّاس، تَتَّجِهُ إلَيه نارٌ تَطَّلِعُ على ما هو أَدَقُّ مِمّا غَمَزَ بِه. «وَيلٌ» كَلِمَةٌ تَفتَحُ بابَ الهاوِيَةِ قَبلَ أَن تَصِفَها.