الهمزة · الآية 3
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«يَحسَبُ»: التَّقديرُ الذي يَعمَلُ في القَلبِ من تَحت
الجِذرُ ح-س-ب في اللِّسانِ العَربيِّ يَدورُ على ضَبطِ الكَمِّيَّةِ بضَمِّها إلى ما يُماثِلُها. حَسَبَ الرَّجُلُ المالَ: ضَبَطَه بإِحصاءٍ يَنتَهي إِلى رَقم. ثمّ تَوَسَّعَ المعنى إِلى التَّقديرِ الذِّهنيّ: «أَحسَبُ كذا» = أُقَدِّرُ كذا في ذِهني، أَبني علَيه دونَ أن أَتَحَقَّقَ منه. وهذا هو المعنى الذي يَستَخدِمُه القُرآنُ في مَواضِعِ كَشفِ الأوهام.
والفِعلُ في الآيةِ مُضارِع: «يَحسَبُ» لا «حَسِبَ». المُضارِعُ يَدُلُّ على فِعلٍ يَتَجَدَّدُ في الحاضِر. الرَّجُلُ لا يَحسَبُ ذلك مَرَّةً ثمّ يَنساه، بل يَحسَبُه في كلِّ لَحظَةٍ من لَحظاتِ تَعديدِه. كلَّما لَمَسَ المالَ تَجَدَّدَ الحُسبان، وكُلَّما تَجَدَّدَ الحُسبانُ تَجَدَّدَ التَّعديد. الحَلَقَةُ مُغلَقة.
وفي اختِيارِ القُرآنِ «يَحسَبُ» على «يَزعُم» أو «يَقولُ» لُطفٌ بَلاغيّ: الزَّعمُ والقَولُ يَستَلزِمانِ نُطقاً يُحاسَبُ علَيه صاحِبُه. الحُسبانُ يَنعَقِدُ في الصَّدرِ ولا يَخرُجُ. كَأَنَّ القُرآنَ يَكشِفُ ما لا يَنطِقُ به الرَّجُلُ ولَكِنَّه يَعمَلُ بِه. الفِعلُ يَفضَحُ الباطِن، لا اللِّسان.
«أَخلَدَه»: الخُلودُ كمَشروعٍ مُتَنَكِّر
الجِذرُ خ-ل-د في القُرآنِ يَدورُ على الدَّوامِ الذي لا يَنقَطِع. الجَنَّةُ خالِدون فيها، والنّارُ خالِدون فيها، وسِدرَةُ المُنتَهى ثَمَرُها لا يَنقَطِع. الخُلودُ صِفَةٌ لا تَستَقيمُ إلّا بمَن يَملِكُ الدَّوامَ بذاتِه أو بمَن أُعطيَه. ووَزنُ أَفعَلَ في «أَخلَدَ» يَنقُلُ المَفعولَ إِلى هذه الحالَةِ النِّقلَ المُكتَمِل: أَخلَدَ المالُ صاحِبَه، أَي أَدخَلَه في الخُلود.
والوَهمُ المَقصودُ في الآيةِ ليس بالضَّرورَةِ تَفكيراً صَريحاً في الإِنسان: «أَنا خالِد». الوَهمُ يَعمَلُ من تَحت. يَتَصَرَّفُ الرَّجُلُ كَأَنَّه باقٍ، يَخزُنُ ما يَكفي عُمُراً ضِعفَ عُمُرِه، يَبني ما لا يَستَخدِمُه. والبَقَرةُ تَكشِفُ هذا الباطِنَ في صورةٍ صَريحَة: وَدَّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. التَّمَنّي يَجري في الصَّدرِ ولا يَخرُجُ في الكَلام، لكنَّ الفِعلَ يَفضَحُه. السورةُ هنا تُسَمّي ما تَصِفُه البَقَرة: الحُسبانُ بأَنَّ المالَ أَخلَدَ صاحِبَه هو نَفسُه التَّمَنّي بأن يُعَمَّرَ أَلفَ سَنَة.
والفَرقُ بَين الخُلودِ الحَقيقيِّ والمَوهومِ في صورَةٍ واحِدة: الخُلودُ الحَقيقيُّ يُعطى من خارِج، يُجرى إلى مَن يَستَحِقُّه. والخُلودُ المَوهومُ يُؤَسَّسُ من داخِل، يُكَدَّسُ في خِزانَة. الأَوَّلُ يَأتي مَنبَعاً يَتَفَرَّع، والثاني يَأتي حَجَراً يَتَكَتَّل. مَن جَعَلَ المالَ خُلودَه، صَنَعَ لِنَفسِه قُبَّةً من رَقَم.
المالُ بَدَلَ المَنبَع: قَلبُ المُعادَلَة
السورَةُ السابِقَةُ سَمَّت العَطاءَ كَوثَراً، أي مَنبَعاً يَتَفَرَّع. هذه السورَةُ تَكشِفُ عَكسَ هذا الفَهم: مَن لم يَأخُذ من المَنبَعِ، صَنَعَ لِنَفسِه خَزّاناً. ومَن جَعَلَ الخَزّانَ نِهايَتَه، حَسِبَه مَنبَعاً. الفَرقُ في اتِّجاهِ الإِنسانِ نَحوَ ما في يَدِه: هل هو يُجرى مِنه، أَم يُمسَكُ علَيه.
والآيةُ تَستَخدِمُ ضَميرَ المُلكِيَّةِ بدِقَّة: «مالَه» لا «المال». الإِضافَةُ تَنقُلُ المالَ من شَيءٍ خارِجيٍّ إِلى جُزءٍ من ذاتِه. صارَ امتداداً له. وحين يَلتَصِقُ المالُ بالذاتِ يَصيرُ مُؤَهَّلاً عند صاحِبِه أن يُعطيَ ما تُعطيه الذاتُ نَفسُها: الدَّوام. الالتِصاقُ بَين الذاتِ والمالِ هو الذي يُمَكِّنُ الوَهمَ من العَمَل. لَو ظَلَّ المالُ شَيئاً عابِراً يُمَرُّ عَليه، لَما تَطاوَلَ الإِنسانُ به على الخُلود.
وفي زَمَنِ القارِئ، الالتِصاقُ بالأَشياءِ يَتَّخِذُ صُوَراً جَديدَة: حِسابٌ بَنكيٌّ يَنبَتُ في النَّفسِ كَأَنَّه عُضوٌ، اسمٌ تَعَلَّقَ بِبَيتٍ كَأَنَّه ولَدٌ، رَقمٌ من المُتابِعين كَأَنَّه ذِكرٌ يَدوم. كلُّ هذه «أَموال» في جَوهَرِها، تَلتَصِقُ بالذاتِ فَتَصيرُ مَشروعَ خُلود. والآيةُ تَكشِفُ المَشروعَ كلَّه: حُسبانٌ يَجري في القَلبِ من تَحت.
حَصيلة
الآيَةُ تَكشِفُ القَصدَ الباطِنَ في الجَمعِ وَالتَّعديد. لَم يَكُنِ المالُ غايَةً اقتِصاديَّة، بَل مَشروعَ خُلودٍ مُمَوَّه. وَالفِعلُ «يَحسَبُ» مَدخَلٌ لَطيف. لَم يَقُل «يَدَّعي» وَلا «يَزعُم»، بَل «يَحسَبُ». الحُسبانُ في العَرَبيَّةِ تَقديرٌ ذِهنيٌّ يُبنى على ما لا يَتَحَقَّقُ مِنه صاحِبُه. وَالزَّعمُ يَنطِقُ بِه اللِّسانُ فَيُحاسَبُ عَلَيه. وَالحُسبانُ يَنعَقِدُ في الصَّدرِ وَيَعمَلُ بِلا نُطق. الكتابُ يَفضَحُ ما لا يَنطِقُ بِه الرَّجُلُ وَلَكِنَّه يَعمَلُ بِه.
وَجِذرُ (خ-ل-د) يَدورُ على الدَّوامِ الذي لا يَنقَطِع. وَوَزنُ أَفعَلَ في «أَخلَدَه» يَنقُلُ المَفعولَ إِلى هذه الحالَةِ نَقلاً مُكتَمِلاً: أَخلَدَ المالُ صاحِبَه أَي أَدخَلَه في الدَّوام. وَالفِعلُ في صيغَةِ الماضي «أَخلَدَه»: كَأَنَّ الخُلودَ قَد تَمَّ في صَدرِه قَبلَ أَن يَكون. هذا هو الوَهمُ الذي يَدفَعُ التَّعديد: مَن صَدَّقَ أَنَّ المالَ يُخلِد، عاشَ يَعُدُّه كَأَنَّه يَعُدُّ سِنينَ خُلودِه.
وَالآيَةُ تَترُكُه عِندَ هذا الحُسبان، ثُمَّ تَنقَلِبُ في الآيَةِ التالِيَةِ بِكَلَّا تَهُزُّ الوَهمَ. الرَّدُّ عَلى الحُسبانِ الباطِنِ لا يَحتاجُ إلى خِطابٍ طَويل؛ تَكفيه كَلِمَةٌ واحِدَة تَقطَعُ الوَهمَ مِن جِذرِه.