الإسراء · الآية 28

﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا

«وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ»: شَرطٌ مُؤَكَّد، لا إذنٌ ولا نَهي

لم تَقُلِ الآيةُ «أعرِضْ»، ولم تَقُلْ «لا تُعرِضْ». قالَت «وَإِمّا تُعرِضَنَّ». و«إمّا» شَرطٌ دَخَلَت عَلَيه «ما»، ثُمَّ لَزِمَتِ الفِعلَ نونُ التَّوكيدِ الثَّقيلة. فالإعراضُ مَفروضٌ وُقوعُه، لا مَأمورٌ بِه ولا مَمنوعٌ مِنه.

وهُنا تَدقيقٌ يُنقِذُ الآية: مَن قَرَأَها إذناً بِالإعراضِ زادَ فيها، ومَن قَرَأَها نَهياً عَنه زادَ فيها. هي تَفتَرِضُ ثُمَّ تَشتَرِط. والضَّميرُ في «عَنْهُمُ» عائِدٌ على مَن سَمَّتهُمُ الآيةُ قَبلَها، فلا تُعيدُ هذه الآيةُ تَسمِيَتَهُم؛ شُغلُها ما يُصاحِبُ الانصِرافَ عَنهُم لا مَن هُم.

والإعراضُ في جَذرِه ع-ر-ض تَولِيةُ العُرض، والعُرضُ الجانِبُ العَريضُ من الشَّيء. فالمُعرِضُ لم يَقُلْ لا، ولم يُدِرْ ظَهرَه بِالكَلام: أدارَ جَنبَه. حَرَكةُ بَدَنٍ قَبلَ أن تَكونَ حَرَكةَ لِسان. ولذلك سَتَحتاجُ الآيةُ في آخِرِها إلى أن تَرُدَّ اللِّسانَ إلى مَوضِعِه.

«ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ»: عِلّةٌ مَنصوبةٌ تَصيرُ شَرطاً

«ابتِغاءَ» مَنصوبٌ مَفعولاً لأجلِه. وهذا مَوضِعُ الحُكمِ كُلِّه: المَفعولُ لأجلِه لا يَصِفُ الفِعلَ بَل يُعَلِّلُه. فالمَفروضُ في الآيةِ لَيسَ انصِرافاً مُطلَقاً، بَل انصِرافٌ عِلّتُه مَذكورةٌ في نَصِّه. وما لا عِلّةَ لَه لم تَتَكَلَّمِ الآيةُ عَنه.

ثُمَّ الرَّحمةُ مُنَكَّرة، و«مِن رَبِّكَ» تُخرِجُ مَصدَرَها من يَدِ المُنصَرِف. فهو لا يَملِكُ ما يُعطي، ولا يَملِكُ مَتى يَملِك. والرَّحمةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي تَزيدُه الآيةُ عَلَيه أنَّها جَعَلَتها هُنا مَطلوبةً لا حاضِرة.

و«ابتَغى» على افتَعَلَ، والصّيغةُ تَرُدُّ الطَّلَبَ إلى الطّالِبِ نَفسِه. فهو يَتَكَلَّفُ الطَّلَبَ ولا يَقعُدُ عَنه. الكَفُّ خالِيةٌ والعَينُ عامِلة.

«تَرْجُوهَا»: شَرطٌ ثانٍ يُضَيِّقُ الأوَّل

جُملةٌ في مَوضِعِ الصِّفةِ لِلرَّحمة. ولَو وَقَفَ النَّصُّ عِندَ «ابتِغاءَ رَحمةٍ» لَاستَقامَ الكَلام، فما الذي زادَتْه؟ زادَت أنَّ الطَّلَبَ قد يَكونُ لَفظاً يُقال، وأنَّ الرَّجاءَ حالٌ لا تُدَّعى بِسُهولة.

والرَّجاءُ من ر-ج-و، ومِنه «رَجا البِئرِ» حافَّتُها و«الأرجاء» النَّواحي. فالرّاجي واقِفٌ على الحافّةِ مُتَّصِلاً بِما وَراءَها، لا داخِلٌ فيه ولا مُنصَرِفٌ عَنه. فالشَّرطانِ مَعاً يَجعَلانِ الانصِرافَ حالَ انتِظارٍ مَشدودٍ لا حالَ راحة.

«فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا»: الجَوابُ أمرٌ لا مَعذِرة

الفاءُ جَوابُ الشَّرط. وكانَ المُنتَظَرُ أن يَكونَ الجَوابُ رَفعَ حَرَجٍ أو تَوسِعةَ عُذر. جاءَ الجَوابُ أمراً: «فَقُلْ». فالذي سَقَطَ هو العَطاء، والذي لم يَسقُطْ هو القَول.

و«لَهُم» لامٌ لا «إلَيهِم»: القَولُ مَصروفٌ إلى جِهَتِهِم لِمَنفَعَتِهِم، لا خِطابٌ يَصِلُهُم فحَسْب. ثُمَّ «مَيسورًا» اسمُ مَفعول: القَولُ يُيَسَّرُ، فهو مَفعولٌ لا فاعِل. ومَن يُيَسِّرُه إلّا قائِلُه؟ فالتَّيسيرُ صَنعةٌ تَلزَمُ صاحِبَ اللِّسان، لا طَبعٌ يُنتَظَرُ نُزولُه.

واليُسرُ في ي-س-ر جَرَيانٌ لَيِّنٌ خَفيفٌ لا يَعتَرِضُه شَيء. فالمَيسورُ من القَولِ ما يَصِلُ إلى سامِعِه بِلا عَقَبةٍ يَتَسَلَّقُها. لَيسَ المُرادُ خَفضَ الصَّوت، بَل خُلُوَّ المَجرى. وأثقَلُ ما يُحمَلُ على مَن رُدَّ خالِيَ اليَدِ كَلامٌ يَحتاجُ أن يَحمِلَه فَوقَ خُلُوِّها.


حَصيلة

آيةٌ لا تَأمُرُ بِالانصِرافِ ولا تَنهى عَنه: تَفتَرِضُه بِـ«إمّا» ونونِ التَّوكيد، ثُمَّ تُحيطُه بِثَلاث. عِلّةٌ مَنصوبةٌ لا يَصِحُّ الانصِرافُ بِدونِها، وهي ابتِغاءُ ما لَيسَ في اليَد. وحالٌ تُصَدِّقُ العِلّة، وُقوفٌ على حافّةٍ مُتَّصِلٍ بِما وَراءَها. وأمرٌ في الجَواب: أن يَبقى القَولُ مَبذولاً بَعدَ أن ارتَفَعَ العَطاء، مُيَسَّراً بِصَنعةِ قائِلِه، خالِيَ المَجرى إلى مَن يَسمَعُه. فمَن أدارَ جَنبَه لم يُؤذَنْ لَه أن يُديرَ لِسانَه. تُرفَعُ اليَدُ الفارِغة، ولا يُرفَعُ اللِّسان.