الإسراء · الآية 61

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا

«وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ»: صيغةٌ قيلَت قَبلَ سَطرٍ واحِد

الآيةُ قَبلَها ابتَدَأَت بِـوَإِذْ قُلْنَا لَكَ﴾، وهذه تَبتَدِئُ بِـ«وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ»، فهي صيغةٌ واحِدةٌ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين. و«إِذْ» تُعَلِّقُ ما بَعدَها بِوَقتٍ مَضى، فالقَولانِ مَقولانِ من قَبلُ ويُستَحضَرانِ الآن.

والمُتَبَدِّلُ هو المُخاطَب: فهُناكَ كافٌ واحِدةٌ لِواحِد، وهُنا لامٌ تَدخُلُ على جَماعةٍ مُسَمّاة. ولا يُزادُ على ما سُمِّيَ شَيء، فالآيةُ تَذكُرُ مَن قيلَ لَهُم، ولا تَذكُرُ ما هُم عَلَيه.

«اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا»: أمرٌ وفاءٌ لا فُرجةَ فيها

وجاءَ الأمرُ بِاللّام: «لِآدَمَ»، دونَ «إلى» و«على»، واللّامُ تُعَيِّنُ الجِهةَ وتَجعَلُ المَأمورَ بِه واقِعاً لِمَن سُمِّي.

ثُمَّ جاءَ الجَوابُ كَلِمةً واحِدة: «فَسَجَدُوا»، بِفاءٍ تَصِلُ بِلا مُهلة، وفِعلٍ هو فِعلُ الأمرِ نَفسُه رُدَّ ماضِياً. ولم يُذكَرْ كَيفَ سَجَدوا، ولا كَم لَبِثوا، ولا ما وَجَدوا، فالامتِثالُ لم يوصَف، وإنَّما أُعيدَ لَفظُه.

والسُّجودُ مَكتوبٌ في المُعجَمِ بِما يُغني عن إعادَتِه: سَرَيانٌ يَتَكَثَّفُ ثُمَّ يَستَقِرُّ في أدنى نُقطة. والذي تَزيدُه هذه الآيةُ عَلَيه أنَّه أُمِرَ بِه بِلامٍ نَحوَ مُسَمّى، وأنَّ وُقوعَه حُكِيَ بِلَفظِ الأمر، والطّاعةُ التي لا تَحتاجُ وَصفاً تُحكى بِالكَلِمةِ التي أمَرَت بِها.

«إِلَّا إِبْلِيسَ»: استِثناءٌ يُسَمّى ولا يُعَلَّل

والاستِثناءُ واحِدٌ مُسَمّى، وهو واقِعٌ على الفِعلِ لا على الخِطاب، فقد خَرَجَ من «فَسَجَدُوا» ولم يُذكَرْ خُروجُه من «قُلْنَا».

ثُمَّ إنَّ الآيةَ سَكَتَت عن أشياء: فلم يُذكَرْ لَه جِنس، ولا مَنشَأ، ولا مَرتَبة، ولا حالٌ سابِقةٌ عَلَيه، والحاصِلُ اسمٌ وفِعلٌ لم يَقَعْ مِنه. وهكذا كُتِبَ في المُعجَمِ أيضاً: مَوصوفٌ بِفِعلِه لا بِجَوهَرِه.

فالاسمُ نُطِقَ والجَوهَرُ سُكِتَ عَنه، ومَن مَلَأَ السُّكوتَ فقد كَتَبَ في الآيةِ ما لم يُكتَبْ فيها.

«أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا»: امتِناعٌ يَخرُجُ في صيغةِ سُؤال

وعُدِلَ عن «لا أسجُد» إلى «أَأَسْجُدُ»، بِهَمزةٍ تَعلو الفِعلَ نَفسَه ويَرُدُّه المُعتَرِضُ إلى نَفسِه مُفرَداً، فالامتِناعُ لم يُصَرَّحْ بِه، وخَرَجَ في هَيئةِ استِفهام.

ثُمَّ عادَتِ اللّامُ التي كانَت في الأمر: أُمِرَ بِالسُّجودِ «لِآدَمَ» فقالَ «لِمَنْ»، والحَرفُ باقٍ والاسمُ ذَهَب، ووُضِعَ في مَوضِعِه مَوصولٌ لا يُسَمّي، فأوَّلُ ما صَنَعَه الاعتِراضُ أن رَفَعَ الاسمَ وأبقى الجِهة.

والذي وُضِعَ صِلةً هو «خَلَقْتَ طِينًا»، والفِعلُ مُسنَدٌ إلى المُخاطَبِ نَفسِه، فالمُعتَرِضُ يُقِرُّ بِالصُّنعِ ويُنازِعُ في المَوقِع. و«طِينًا» جاءَ مَنصوباً عارِياً من حَرفِ الجَرّ، ولم يَأتِ على «مِن طينٍ»، والمادّةُ لَصِقَت بِالفِعلِ بِلا واسِطة، فرُدَّ المَخلوقُ إلى ما صُنِعَ مِنه في كَلِمةٍ واحِدة.

والخَلقُ مَكتوبٌ في المُعجَم: إنشاءُ الشَّيءِ على تَقديرٍ سابِقٍ وحَدٍّ مَحسوم، فالكَلِمةُ التي ساقَها حُجّةً على الدُّنُوِّ فيها التَّقديرُ نَفسُه، وقد ذَكَرَ الطّينَ وسَكَتَ عن الحَدِّ الذي قُطِعَ عَلَيه.


حَصيلة

تُفتَتَحُ الآيةُ بِالصّيغةِ التي فُتِحَت بِها الآيةُ قَبلَها، ويَتَبَدَّلُ المُخاطَبُ وَحدَه: كافٌ لِواحِدٍ ثُمَّ لامٌ لِجَماعةٍ مُسَمّاة. ثُمَّ أمرٌ بِلامٍ نَحوَ اسم، وجَوابٌ بِكَلِمةٍ واحِدةٍ هي فِعلُ الأمرِ مَردوداً ماضِياً، فيُعادُ لَفظُ الامتِثالِ دونَ وَصفِه. ثُمَّ استِثناءٌ واحِدٌ مُسَمّى واقِعٌ على الفِعلِ لا على الخِطاب، ولا يُقالُ فيه أكثَرُ من اسمٍ وامتِناع. ثُمَّ يَخرُجُ الرَّدُّ في صيغةِ سُؤالٍ لا في صيغةِ نَفي، وتَعودُ اللّامُ عَينُها وقد سَقَطَ الاسمُ من بَعدِها ووُضِعَ مَكانَه مَوصولٌ لا يُسَمّي، وصِلَتُه فِعلٌ مُسنَدٌ إلى المُخاطَبِ نَفسِه ومَعَه مادّةٌ مَنصوبةٌ بِلا حَرفِ جَرّ. فالاعتِراضُ يُقِرُّ بِالصُّنعِ ويُنازِعُ في المَوضِع، ويَرُدُّ المَأمورَ بِالسُّجودِ لَه إلى مادَّتِه ويَحذِفُ اسمَه. وفي الجَذرِ الذي اختارَه ما يَنقُضُ اختِيارَه، إذ الخَلقُ تَقديرٌ يَسبِقُ وحَدٌّ يُقطَعُ عَلَيه، فمَن سَمّى المادّةَ وسَكَتَ عن التَّقديرِ فقد أمسَكَ الطَّرَفَ الأدنى من كَلِمةٍ طَرَفاها اثنان.