الإسراء · الآية 62

﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا

«أَرَأَيْتَكَ»: سُؤالٌ لا يَطلُبُ خَبَراً

الآيةُ قَبلَها خُتِمَت بِسُؤال، وهذه تُفتَتَحُ بِسُؤال. سُؤالانِ مُتَتابِعانِ من مُتَكَلِّمٍ واحِد، ولا جَوابَ لِلأوَّلِ بَينَهُما.

و«أَرَأَيْتَكَ» مُرَكَّبٌ لا واحِد: هَمزةُ استِفهامٍ، وفِعلُ رُؤيةٍ ماضٍ، وتاءُ فاعِلٍ، ثُمَّ كافٌ لاصِقةٌ بِها وقد استَوفى الفِعلُ فاعِلَه. فالصّيغةُ لا تَطلُبُ عِلماً، تَطلُبُ نَظَراً: انظُرْ إلى هذا. والجَذرُ ر-أ-ي هو الجَذرُ الذي جَرى في السّورةِ قَبلَ سَطرَينِ حينَ قيلَ الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾. هُناكَ إراءةٌ تَنزِلُ، وهُنا مَخلوقٌ يَستَوقِفُ بِها مَن أراهُ ما رَأى.

«هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ»: الاسمُ يَسقُطُ مَرّةً ثانِية

في الآيةِ قَبلَها قالَ «لِمَنْ». وها هُنا يَقولُ «هَٰذَا الَّذِي». إشارةٌ ومَوصولٌ في مَوضِعِ اسمٍ نُطِقَ بِه في الأمرِ نَفسِه. مَرَّتانِ في سَطرَين، والاسمُ لا يَجري على لِسانِه.

ثُمَّ اقرَأِ الكَلِمةَ التي جَرَت. لم يَقُلْ «فَضَّلْتَ» ولا «رَفَعْتَ». قالَ «كَرَّمْتَ». وهذا الجَذرُ بِعَينِه سَتُقَرِّرُه السّورةُ بَعدَ ثَمانِ آياتٍ في مَعرِضِ الإخبارِ لا في مَعرِضِ الاعتِراض. فالنِّعمةُ سُمِّيَت بِاسمِها على لِسانِ مَن خاصَمَ فيها، قَبلَ أن تُثبَتَ بِلَفظِها في مَوضِعِها.

و«عَلَيَّ» حَرفُ عُلُوّ. لم يُنكِرِ التَّكريمَ ولا نازَعَ في وُقوعِه، إنَّما قاسَه بِنَفسِه فوَجَدَه فَوقَه. أنكَرَ المَوقِعَ وأقَرَّ بِالنِّعمة، فشَهِدَ من حَيثُ خاصَم.

«لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»: مُهلةٌ مَحدودةٌ يُسَمّي آخِرَها

لامٌ مُوَطِّئةٌ لِقَسَمٍ ثُمَّ «إنْ» شَرطِيّة. فالجُملةُ يَمينٌ مَبنِيَّةٌ على فَرض، لا خَبَرٌ عن واقِع.

والتَّأخيرُ من أ-خ-ر لَيسَ قَطعاً ولا إبقاءً بِلا نِهاية، هو جَعلُ الشَّيءِ وَراءَ فُرجةٍ تَجري فيها المُدّة. ولِذلك جاءَ بَعدَه «إِلَىٰ»، وهي حَرفُ انتِهاءِ غاية. ثُمَّ سُمِّيَتِ الغاية: «يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

فالذي طَلَبَه مَوقوتٌ في لَفظِه هو، وسَمّى آخِرَه بِنَفسِه. طَلَبَ فُرجةً ووَضَعَ لَها حَدّاً، فما سَألَ ما لا يَنتَهي.

«لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ»: كَلِمةٌ تُقرَأُ من حُروفِها وَحدَها

لامٌ في جَوابِ القَسَمِ ونونٌ ثَقيلةٌ في آخِرِ الفِعل. الدَّعوى مَحلوفٌ عَلَيها بِأشَدِّ ما يُحلَفُ بِه.

واللَّفظُ لا نَظيرَ لَه في المُسَجَّل، فلا يُؤخَذُ إلّا من حُروفِه. الحاءُ تَضييقٌ يَحتَوي في الباطِن، والنّونُ احتِواءٌ يُحبَسُ في جَوف، فالنَّواةُ «حن» جَوفٌ ضَيِّقٌ يُمسِكُ ما دَخَلَه. ثُمَّ الكافُ كَتمٌ وامتِساكٌ يُطبِقُ على هذا الجَوفِ فيَقبِضُ عليه. فالمادّةُ في أصلِها جَوفٌ ضَيِّقٌ يُقبَضُ عَلَيه.

ثُمَّ الوَزن. «افتَعَلَ» يَرُدُّ الفِعلَ على فاعِلِه فيَجعَلُه آخِذاً لِنَفسِه، فالمَعنى أن يَتَّخِذَ هذا القَبضَ الدّاخِليَّ لَه. ومَن أدخَلَ يَدَه في الجَوفِ الضَّيِّقِ ساقَ البَدَنَ كُلَّه بِأخَفِّ حَرَكة، ولم يَحتَجْ أن يَمَسَّ منه شَيئاً آخَر. هذا ما تُعطيه الحُروف، ولا يُزادُ عَلَيها.

ثُمَّ انظُرْ على مَن وَقَعَت. لم يَقُلْ «لَأَحتَنِكَنَّه». قالَ «ذُرِّيَّتَهُ»، والذُّرِّيّةُ مَكتوبةٌ في المُعجَم: النَّسلُ المُتَناثِرُ الذي يَنبَعِثُ من الأصلِ ويَنتَشِر. فالخُصومةُ قامَت على واحِدٍ ووَقَعَتِ الدَّعوى على أوسَعِ ما في الآية. تَرَكَ الأصلَ وقَصَدَ ما تَناثَرَ منه.

«إِلَّا قَلِيلًا»: ثُلمةٌ يَصنَعُها المُدَّعي في دَعواهُ

لم يُسأَلْ عن استِثناء، ولم يُعارَضْ فيَتَراجَع. الاستِثناءُ خَرَجَ في نَفَسِ الدَّعوى.

و«قَلِيلًا» نَكِرةٌ لا عَدَدَ فيها. لا يُعرَفُ كَم هُم ولا مَن هُم، ويَبقى في الحُكمِ الجازِمِ مَوضِعٌ لا يَبلُغُه. اليَمينُ خَرَجَت مَثقوبة، وصاحِبُها هو الذي ثَقَبَها.


حَصيلة

سُؤالٌ يَعقُبُ سُؤالاً بِلا جَوابٍ بَينَهُما، وصيغَتُه «أَرَأَيْتَكَ» تَطلُبُ نَظَراً لا خَبَراً، وجَذرُها هو جَذرُ الإراءةِ التي جَرَت في السّورةِ قَبلَ سَطرَين. ثُمَّ يَسقُطُ الاسمُ مَرّةً ثانِيةً فيُوضَعُ في مَوضِعِه إشارةٌ ومَوصول، وتُنطَقُ النِّعمةُ بِلَفظِها: «كَرَّمْتَ»، وهو الجَذرُ الذي سَتُقَرِّرُه السّورةُ بَعدَ ثَمانِ آياتٍ إخباراً لا خُصومة. و«عَلَيَّ» تُبَيِّنُ أنَّ المُنازَعةَ في المَوقِعِ لا في وُقوعِ النِّعمة. ثُمَّ يَمينٌ على شَرطٍ: تَأخيرٌ هو جَعلُ الشَّيءِ وَراءَ فُرجةٍ لا قَطعُه، و«إِلَىٰ» تُنهيه إلى غايةٍ يُسَمّيها الطّالِبُ بِنَفسِه. ثُمَّ جَوابُ القَسَمِ بِلامٍ ونونٍ ثَقيلة، وفِعلٌ لا نَظيرَ لَه فيُقرَأُ من حُروفِه: جَوفٌ ضَيِّقٌ يُقبَضُ عَلَيه، على وَزنٍ يَرُدُّ الأخذَ إلى الآخِذ. ولا يَقَعُ على المُنازَعِ فيه بَل على ما تَناثَرَ منه. ثُمَّ يُختَمُ الحَلِفُ بِاستِثناءٍ لم يُطالَبْ بِه ولم يُعَيَّنْ عَدَدُه. فالسَّطرُ كُلُّه دَعوى مُؤَكَّدةٌ يُحيطُ بِها حَدّانِ من صُنعِ صاحِبِها: أجَلٌ يَنتَهي، وقَليلٌ لا يُنال.