طه · الآية 33
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«كَيْ»: حَرفٌ واحِدٌ يَتَعَلَّقُ بِه الدُّعاءُ كُلُّه
ثَمانِ آياتٍ مَضَت لَم يَخرُجْ فيها الكَلامُ عن الطَّلَبِ وتَوابِعِه: سِتُّ صيغِ أمرٍ هي شَرحٌ وتَيسيرٌ وحَلٌّ وجَعلٌ وشَدٌّ وإشراك، ولَم يُقَلْ في واحِدةٍ مِنها لِمَ. وهُنا يَجيءُ حَرفُ التَّعليل.
ومَوضِعُه هو المَعنى. لَو جاءَ في أوَّلِ الدُّعاءِ لَشُرِحَ الطَّلَبُ قَبلَ أن يُسمَع، ولَقَرَأَ السّامِعُ كُلَّ مَطلوبٍ وهو يَعرِفُ إلى أينَ يَنتَهي. جاءَ في آخِرِه فتَعَلَّقَ بِه ما مَضى كُلُّه دَفعةً واحِدة.
ولا يَستَقيمُ أن يُقرَأَ الدُّعاءُ إلّا من هُنا: سُئِلَ الحامِلُ الثّاني لِيَكثُرَ التَّسبيح، لا لِيَخِفَّ الحِمل. وسِعةُ الصَّدرِ ولِينُ الأمرِ وحَلُّ العُقدةِ وشَدُّ الأزرِ كُلُّها أدَواتٌ لِهذه الغايةِ المَقولةِ في هذا المَوضِع.
«نُسَبِّحَكَ»: نونٌ تَجيءُ بَعدَ ثَمانِ ياءات
كُلُّ ما مَضى مُفرَد. صَدري وأمري ولِساني وقَولي وأهلي وأخي وأزري وأمري: ثَمانِ ياءاتٍ لِمُتَكَلِّمٍ واحِد.
وهُنا نونُ الجَماعة. سَألَ واحِدٌ فصارَ الفاعِلُ اثنَين. وهذا أوَّلُ مَوضِعٍ في الدُّعاءِ يَخرُجُ فيه المُتَكَلِّمُ من ضَميرِ نَفسِه.
والشَّرِكةُ التي سُئِلَت في الآيةِ السّابِقة، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾، ظَهَرَ أثَرُها في الضَّميرِ نَفسِه. طَلَبٌ في اللَّفظِ استَجابَ لَه اللَّفظُ قَبلَ أن يُستَجابَ في الخارِج.
والتَّسبيحُ في س-ب-ح مُرورٌ لا يَعلَقُ بِصاحِبِه مِنه شَيء، كَحَرَكةٍ في ماءٍ صافٍ يَخرُجُ مِنها الخارِجُ ولَم يَحمِلْ شَيئاً. ووَزنُ فَعَّلَ يُكَرِّرُ الحَدَثَ فيَجعَلُه دَأباً لا مَرّة.
«كَثِيرًا»: المَطلوبُ مِقدارٌ لا حال
«كَثِيرًا» مَنصوبٌ يَصِفُ مَصدَراً مَحذوفاً. ولَم يُقَلْ خالِصاً ولا صادِقاً ولا دائِماً. قيلَ كَثيراً.
والكَثرةُ في ك-ث-ر تَداخُلٌ يَتَكاثَفُ ثُمَّ يَجري مُستَرسِلاً فلا يَنقَطِع. عَدَدٌ يَتَوالَدُ لا كَومٌ يُوضَع.
فالمَسؤولُ عَون، والغايةُ مِقدار. ومَن سَألَ حامِلاً ثانِياً لِيَكثُرَ ما يُقال، لَم يَسألْ راحةً وإنَّما سَألَ سَعة.
حَصيلة
حَرفُ تَعليلٍ واحِدٌ يَجيءُ بَعدَ سِتَّةِ أوامِرَ في ثَمانِ آياتٍ فيَتَعَلَّقُ بِه ما مَضى كُلُّه. ومَوضِعُه هو مَعناه: لَو تَقَدَّمَ لَشُرِحَ الطَّلَبُ قَبلَ أن يُسمَع، وقد تَأَخَّرَ فصارَ الدُّعاءُ كُلُّه مُعَلَّقاً بِما بَعدَه. فسِعةُ الصَّدرِ ولِينُ الأمرِ وحَلُّ العُقدةِ وشَدُّ الأزرِ والشَّرِكةُ في الأمرِ أدَواتٌ لِغايةٍ واحِدةٍ لا تُقالُ إلّا هُنا: سُئِلَ الحامِلُ الثّاني لِيَكثُرَ التَّسبيحُ لا لِيَخِفَّ الحِمل. وفي «نُسَبِّحَكَ» نونُ جَماعةٍ تَجيءُ بَعدَ ثَمانِ ياءاتٍ لِمُفرَد، فالشَّرِكةُ المَسؤولةُ ظَهَرَ أثَرُها في الضَّميرِ قَبلَ الخارِج. والتَّسبيحُ من س-ب-ح مُرورٌ لا يَعلَقُ مِنه شَيء، وفَعَّلَ تَجعَلُه دَأباً. و«كَثِيرًا» مِقدارٌ لا حال، والكَثرةُ من ك-ث-ر تَكاثُفٌ يَجري ولا يَنقَطِع.