طه · الآية 37

﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ

«وَلَقَدْ»: تَحقيقٌ يَتلو تَحقيقاً

فُتِحَتِ الآيةُ قَبلَها بِـ«قَدْ» وَحدَها: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ﴾، وهذه تُفتَحُ بِـ«قَدْ» أيضاً، وقد سَبَقَتها واوٌ ولام.

وهُما حَرفانِ زيدا على الحَرف، والأداةُ في المَوضِعَينِ واحِدة، والتَّثقيلُ مُختَلِف.

وكِلا المَوضِعَينِ ماضٍ: سُئِلَ بِالأمرِ فأُجيبَ بِما تَمّ، ثُمَّ ذُكِرَ ما تَمَّ قَبلَ أن يُسأَل.

«مَنَنَّا»: الفاعِلُ يَظهَرُ بَعدَ سَطر

و«أُوتِيتَ» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، فذُكِرَ فيه المُعطى وسُكِتَ عن المُعطي، وأمّا «مَنَنَّا» فمُسنَدٌ إلى نونِ العَظَمة.

وبَينَ الغِيابِ والحُضورِ آيةٌ واحِدة، والمُعطي الذي لم يُسَمَّ في الجَوابِ يَتَكَلَّمُ في الذي بَعدَه.

وأصلُ م-ن-ن عَطاءٌ يَنبَعِثُ من مَوضِعٍ مَضمومٍ فيَبلُغُ صاحِبَه ويَبقى رَنينُه بَعدَ وُقوعِه، فالمَنُّ حَدَثٌ لا يَنقَضي، يَظَلُّ يُسمَع.

«عَلَيْكَ»: حَرفٌ يَجعَلُ العَطاءَ نازِلاً

وعُدِّيَ الفِعلُ بِـ«عَلَيْكَ» دونَ «مَنَنّا لَك» و«مَنَنّا إلَيك»، و«على» حَرفُ استِعلاء.

فالمِنَّةُ ثِقلٌ يَقَعُ من فَوقٍ على مَحَلٍّ تَحتَه، يَنزِلُ نُزولاً، ولا يُناوَلُ بِاليَدِ ولا يُبعَثُ إلى جِهة.

وهذا الحَرفُ سَيَعودُ فيما بَعدَها من آيات: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾، ثُمَّ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾، ثُمَّ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ﴾، فكُلُّ ما في المِنَّةِ نازِل.

«مَرَّةً»: عَدٌّ بِالمُرورِ لا بِالرَّقَم

والمَرَّةُ من م-ر-ر: واحِدةٌ من مُرور، والجِذرُ جَريانٌ يَمَسُّ المَوضِعَ ثُمَّ يُفارِقُه، والمَرَّةُ تِلكَ اللَّمسةُ العابِرة.

فقد عُدَّ الفَضلُ بِمُرورٍ وَقَع، ولم يُعَدَّ بِرَقَمٍ يُحصى، كَأنَّ العَطاءَ ماءٌ مَرَّ على أرضٍ فبَلَّها ومَضى، ثُمَّ عادَ فمَرَّ مَرَّةً ثانِية.

والكَلِمةُ نَكِرةٌ مَنصوبةٌ على الظَّرفِ لا عَدَدَ قَبلَها ولا بَعدَها.

«أُخْرَىٰ»: الوَصفُ بِالتَّأَخُّرِ يَقَعُ على الأسبَق

و«أُخْرَىٰ» مادَّتُها أ-خ-ر، وهي تَخَلُّفٌ عن المُتَقَدِّمِ يَجري في أثَرِه، فالمَوصوفُ بِها آخِرٌ في الرُّتبة.

وقد جاءَت في هذه السّورةِ من قَبلُ في آيَةً أُخْرَىٰ﴾، والمُرادُ بِها هُناكَ الثّانِيةُ بَعدَ الأولى في العَرض.

ومَحَلُّ العَجَبِ هُنا أنَّ المَرَّةَ المَوصوفةَ بِالتَّأَخُّرِ هي الأسبَقُ وُقوعاً، والآياتُ الثَّلاثُ بَعدَها تَرجِعُ إلَيها، فالسّورةُ تُسَمّي القَديمَ «أُخرى» لِأنَّ العَدَّ يَبدَأُ من مَوقِفِ المُخاطَبِ الآنَ، لا من مَوقِعِ الحادِثِ حينَ وَقَع.

ومَن عَدَّ على هذا الوَجهِ من حَيثُ يَقِفُ صارَ أوَّلُ عُمرِه آخِرَ حِسابِه.


حَصيلة

«وَلَقَدْ» تُثَقِّلُ «قَدْ» التي فُتِحَت بِها الآيةُ قَبلَها، فيَتَوالى تَحقيقانِ في الماضي: إجابةٌ تَمَّت، ومِنَّةٌ سَبَقَت. و«مَنَنَّا» يُظهِرُ بِنونِ العَظَمةِ الفاعِلَ الذي أُخفِيَ في «أُوتِيتَ» في الآيةِ التي قَبلَها، والجِذرُ م-ن-ن عَطاءٌ يَنبَعِثُ فيَبقى رَنينُه، لا حَدَثٌ يَنقَضي. و«عَلَيْكَ» حَرفُ استِعلاءٍ يَجعَلُ العَطاءَ نازِلاً من فَوق، وهو الحَرفُ الذي يَتَكَرَّرُ في المَقطَعِ كُلِّه حتّى آخِرِه. و«مَرَّةً» من م-ر-ر تَعُدُّ الفَضلَ بِالمُرورِ لا بِالرَّقَم، وقد جاءَت نَكِرةً بِلا عَدَد. و«أُخْرَىٰ» من أ-خ-ر تَصِفُ بِالتَّأَخُّرِ مَرَّةً هي الأقدَمُ وُقوعاً، فالحِسابُ من مَوقِفِ المُخاطَبِ لا من مَوضِعِ الحادِث. وبِهذه الكَلِمةِ تُفتَحُ الآياتُ الثَّلاثُ بَعدَها، فيَبدَأُ العَدُّ من الآخِرِ ثُمَّ يَمضي إلى الوَراء.