طه · الآية 89

﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا

«أَفَلَا يَرَوْنَ»: حُجّةٌ تُبنى على النَّظَرِ لا على الخَبَر

لم تَقُلِ الآيةُ «إنَّه لَيسَ بِإلهٍ». قالَت أَفَلَا يَرَوْنَ﴾، فجَعَلَتِ الحُجّةَ سُؤالاً عن عَينٍ مَفتوحة.

وهَمزةُ الاستِفهامِ داخِلةٌ على نَفي، فالجَوابُ الوَحيدُ إثبات. والمَطلوبُ لَيسَ أن يُعلَموا شَيئاً جَديداً، بَل أن يَنظُروا إلى ما هو أمامَهُم.

ثُمَّ لا تَأتي بَعدَ ذلك دَعوى، بَل تَأتي غَيبَتانِ اثنَتان. والحُجّةُ كُلُّها مَبنِيّةٌ على ما لَيسَ هُناك.

«أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا»: أوَّلُ الغَيبَتَينِ في الكَلام

الرُّجوعُ في ر-ج-ع جَريانٌ يَتَجَمَّعُ ثُمَّ يَظهَرُ من عُمقِ مَصدَرِه: عَودةٌ إلى الأصلِ لا حَرَكةٌ في مَكان.

والجَذرُ نَفسُه يَجري في هذا المَشهَدِ ثَلاثاً. كانَ فِعلَ رَجُلٍ عادَ: فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾. وهو هُنا مَنفِيٌّ عن شَيءٍ لا يَرُدُّ. وسيَكونُ في السَّطرِ الآتي غايةً يُنتَظَرُ بُلوغُها.

و«قَولًا» نَكِرةٌ مَنصوبة: لا «القَولَ» ولا «قَولَهُم». أيُّ قَولٍ كان. والنَّفيُ يَقَعُ على الجِنسِ في أدنى صُوَرِه.

«وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ»: الكَلِمةُ التي قالوها تُرَدُّ إلى مَوضِعٍ آخَر

قالوا قَبلَ سَطرَينِ بِمَلْكِنَا﴾، فنَفَوا القَبضةَ عن أنفُسِهِم. وتَقولُ الآيةُ الآنَ «ولا يَملِكُ لَهُم»، فتَنفي القَبضةَ عمّا أُقيمَ لَهُم.

الجَذرُ واحِدٌ في المَوضِعَين. رُفِعَ المِلكُ عن الفاعِلِ حينَ اعتَذَر، ورُفِعَ عن المَعبودِ حينَ حوجِج. فلم يَبقَ لِلقَبضةِ مَوضِعٌ في الحِكايةِ كُلِّها.

والمِلكُ في م-ل-ك إحاطةٌ تَلتَئِمُ ثُمَّ تُطبِقُ قابِضة. فالمَنفِيُّ هُنا القُدرةُ على الإحاطةِ بِالأمرِ لا مُجَرَّدُ وُقوعِه.

«ضَرًّا وَلَا نَفْعًا»: الأدنى قَبلَ الأعلى ونَفيانِ لا نَفي

قُدِّمَ الضَّرُّ على النَّفع. والضَّرُّ في ض-ر-ر ضَغطٌ كَثيفٌ يُمسِكُ ويَلزَمُ فلا يُفارِق، والنَّفعُ في ن-ف-ع ما يَبرُزُ من باطِنِ الشَّيءِ فيَلتَحِمُ بِصاحِبِه.

والذي يُطلَبُ من مَعبودٍ نَفعٌ لا ضَرّ. فلَمّا بُدِئَ بِالأدنى في الطَّلَبِ كانَ نَفيُه أبلَغ: ما لا يَملِكُ أن يَضُرَّ لا يُتَوَقَّعُ مِنه ما فَوقَه.

وأُعيدَت «لا» قَبلَ الثّاني ولم يُكتَفَ بِالواو. فهُما نَفيانِ مُستَقِلّانِ لا نَفيٌ واحِدٌ يَشمَلُ اثنَين.


حَصيلة

لم تُقَرِّرِ الآيةُ حُكماً بَل سَألَت عن نَظَر، وهَمزةُ الاستِفهامِ على نَفيٍ لا تُجابُ إلّا بِإثبات. ثُمَّ لم تُقِمِ الحُجّةَ على دَعوى، بَل على غَيبَتَينِ: أنَّه لا يَرُدُّ قَولاً، وأنَّه لا يَملِكُ. والرُّجوعُ في ر-ج-ع عَودةٌ إلى الأصلِ لا حَرَكةٌ في مَكان، وهو جَذرٌ يَجري في هذا المَشهَدِ ثَلاثاً: فِعلَ رَجُلٍ عاد، ونَفياً عن شَيءٍ لا يَرُدّ، وغايةً تُنتَظَرُ في السَّطرِ الآتي. و«قَولًا» نَكِرةٌ فالمَنفِيُّ الجِنسُ في أدناه. ثُمَّ يَعودُ جَذرُ المِلكِ الذي رُفِعَ في العُذرِ عن القائِلين، فيُرفَعُ هُنا عمّا أُقيمَ لَهُم، والمِلكُ في م-ل-ك إحاطةٌ تَلتَئِمُ ثُمَّ تُطبِقُ قابِضة. وقُدِّمَ الضَّرُّ وهو ضَغطٌ كَثيفٌ يُمسِكُ ويَلزَم، على النَّفعِ وهو ما يَبرُزُ فيَلتَحِمُ بِصاحِبِه، فنُفِيَ الأدنى قَبلَ الأعلى. وأُعيدَت «لا» فصارا نَفيَينِ مُستَقِلَّينِ لا نَفياً واحِداً. حُجّةٌ لا تُقيمُ بُرهاناً على شَيءٍ ولا تَحتاج، إذ يَكفي أن يُنظَرَ إلى ما لَم يَقَع.