النبأ · الآية 29

﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا

«وَكُلَّ شَيْءٍ»: الاستيعابُ يُسمَعُ قَبلَ الفِعل

قُدِّمَ المَفعولُ على فِعلِه، فبَدَأَتِ الجُملةُ بِما شَمِلَ لا بِمَن شَمِل. والأُذُنُ تَتَلَقّى الاستيعابَ أوَّلاً، ثُمَّ يَجيءُ الفِعلُ لِيَقولَ كَيفَ وَقَع. هذا التَّقديمُ وَحدَه يُغَيِّرُ إيقاعَ الآية: لا تَبدَأُ بِيَدٍ تَعُدّ، بل بِساحَةٍ لا يَخرُجُ مِنها شَيء.

و«كُلّ» في جِذرِه (ك ل ل) حَوزٌ يَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ أطرافَ ما حاز. لَيسَ مَعناها الكَثرةَ بَل بُلوغَ الحاشِية: الإكليلُ يُحيطُ بِالرَّأسِ فلا يَدَعُ مِنه ناحِية. و«شَيء» في جِذرِه (ش ي أ) أدنى ما يُفرَزُ من مُنتَشِرٍ سارٍ فيُقطَعُ ويُشارُ إليه. فاجتِماعُ الكَلِمَتَينِ يَضَعُ الحَدَّ عِندَ أصغَرِ ما يُمكِنُ أن يُسَمّى.

والإحاطةُ لا تُعرَفُ بِأكبَرِ ما ضَمَّت، بل بِأصغَرِ ما لم يَندَّ عَنها.

«أَحْصَيْنَاهُ»: ضَمٌّ يَبلُغُ الطَّرَفَ الأخير

الإحصاءُ في جِذرِه (ح ص ي) احتِواءٌ في الباطِنِ يُطبِقُ عليه إطباقٌ صُلبٌ يُمسِك، ثُمَّ يَمتَدُّ هذا الإمساكُ سارِياً حتّى يَبلُغَ أطرافَ ما ضَمّ. فهو قَبضةٌ ثُمَّ بُلوغُ حاشِية، لا نَظَرٌ عامٌّ من بَعيد.

ومنه الحَصى: حَبٌّ صَغيرٌ يُجمَعُ في الكَفِّ فيُحفَظُ بِه عَدَدٌ لا يُمسِكُه الذِّهنُ وَحدَه. الإحصاءُ إذن إمساكٌ في اليَدِ قَبلَ أن يَكونَ اجتِهاداً في الحِفظ. تَضَعُ حَصاةً عن كُلِّ واحِد، فيَبقى العَدَدُ ماكِثاً وإن ذَهَبَ الذِّكر.

والضَّميرُ في «أحصَيناه» مُفرَدٌ يَعودُ على «كُلَّ شَيء» جُملةً واحِدة: ما لا يُعَدُّ كَثرةً أُخِذَ أخذَ الواحِد.

«كِتَابًا»: الإمساكُ يُسَمّى بَعدَ أن يَقَع

الجِذرُ (ك ت ب) كَتمٌ يُمسِكُ، فقَرعٌ دَقيقٌ يَضبِط، فاتِّصالٌ يَربِطُ المُمسَكَ بِمَحَلِّه ثُمَّ يَفتَحُ على مَن يَتَلَقّاه. فهو حَبسٌ دَقيقٌ يَحفَظ، ثُمَّ إخراجٌ مُنضَبِطٌ إلى مُتَلَقٍّ. حَرَكَتانِ في جِذرٍ واحِد: ضَمٌّ يُمسِك، وبابٌ يُفتَحُ في وَقتِه.

وجاءَت الكَلِمةُ بَعدَ الفِعلِ لا قَبلَه، فهي تَصِفُ الإحصاءَ ولا تُضيفُ إليه شَيئاً ثانِياً: إحصاءً يُمسِك. الوَصفُ يَقَعُ على هَيئةِ العَدِّ لا على وِعاءٍ يُتَخَيَّلُ لَه.

والحَرَكةُ الثانِيةُ في الجِذرِ هي التي تَجعَلُ الإمساكَ غَيرَ دَفن. ما ضُمَّ بِإحكامٍ يُنتَظَرُ بِه يَومُ فَتحِه، ولذلك تَجيءُ الآيةُ التي بَعدَها أمراً حاضِراً: فَذُوقُوا﴾.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِالمَفعولِ لا بِالفِعل، فيُسمَعُ الاستيعابُ قَبلَ أن يُسمَعَ العامِل. و«كُلّ» (ك ل ل) حَوزٌ يَبلُغُ الأطراف، و«شَيء» (ش ي أ) أدنى ما يُقتَطَعُ من مُنتَشِرٍ فيُشارُ إليه، فالحَدُّ مَوضوعٌ عِندَ أصغَرِ ما يُسَمّى. ثُمَّ «أحصَيناه» (ح ص ي): احتِواءٌ يُطبِقُ ويُمسِكُ ثُمَّ يَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ الحاشِية، وضَميرُه مُفرَدٌ فأُخِذَ الكَثيرُ أخذَ الواحِد. ثُمَّ «كِتاباً» (ك ت ب) يَصِفُ هَيئةَ هذا الإحصاء: حَبسٌ دَقيقٌ يَحفَظ، وفي الجِذرِ نَفسِه بابٌ يُفتَحُ على مُتَلَقٍّ. فالآيةُ لا تَقولُ إنَّ العِلمَ واسِع، بل إنَّ الضَّمَّ مُحكَمٌ إلى الطَّرَفِ الأخير، وإنَّ ما ضُمَّ هكذا لَه ساعةُ إخراج. ولذلك يَنقَلِبُ الخَبَرُ في الآيةِ التالِيةِ خِطاباً مُباشِراً.