النبأ · الآية 30

﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا

«فَذُوقُوا»: الخَبَرُ يَنقَلِبُ خِطاباً

كانَ الكَلامُ قَبلَ هذه الآيةِ عَنهُم لا إلَيهِم: «إنَّهُم كانوا»، «وكَذَّبوا»، «أحصَيناه». ثُمَّ تَجيءُ الفاءُ ويَجيءُ بَعدَها أمرٌ مُوَجَّهٌ بِواوِ الجَماعة. لم يُضَفْ خَبَرٌ جَديد، إنَّما دارَ الوَجهُ نَحوَهُم. والالتِفاتُ نَفسُه هو الجُملة.

والذَّوقُ في جِذرِه (ذ و ق) مُلامَسةٌ دَقيقةٌ بِالطَّرَفِ تَتَّصِلُ وتَمتَدّ، ثُمَّ تَنعَقِدُ في العُمقِ عَقداً قاطِعاً. وهو أقَلُّ ما تَتِمُّ بِه المَعرِفة: لا يُطلَبُ لَه مِقدارٌ كَبير، تَكفيه لَمسةٌ واحِدةٌ فيَستَقِرُّ العِلمُ ولا يَحتاجُ إلى ثانِية.

وقد وَعَدَتِ السّورةُ بِالعِلمِ مَرَّتَينِ في صَدرِها: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. وهُنا يَحضُرُ العِلمُ المَوعودُ ويَحضُرُ بِمَدخَلِه: لا حُجَّةٌ تُقامُ على الأُذُن، بَل مَسٌّ يُباشَرُ بِاللِّسان. وما لم يَعبُرْ من الأُذُنِ يُعرَضُ على الفَم.

«فَلَن نَّزِيدَكُمْ»: نَفيٌ يَمتَدُّ في الآتي

الفاءُ الثانِيةُ تُعَلِّلُ الأمرَ الذي سَبَقَها: ذوقوا لِأنَّ ما بَعدَ الذَّوقِ لَيسَ انفِراجاً. و«لن» تَنفي المُستَقبَلَ نَفياً مُمتَدّاً لا يَقِفُ عِندَ حَدّ، فالمَنفِيُّ لَيسَ لَحظةً بَل مَدىً.

و«نَزيدُ» من (ز ي د): اكتِنازٌ مُتَضاغِطٌ يَسري ويَمتَدُّ ثُمَّ يَثبُتُ في مَوضِعِه. فالزِّيادةُ في الجِذرِ لَيسَت مُروراً فَوقَ الحَدّ، بَل استِقرارُ ما جاوَزَه: ما دَخَلَ لا يَخرُج.

ولذلك كانَ النَّفيُ هُنا مُوَجَّهاً إلى جِهةِ الزِّيادةِ لا إلى وُقوعِها، والاستِثناءُ بَعدَه يُبَيِّنُ ذلك.

«إِلَّا عَذَابًا»: الاستِثناءُ يُبقي الزِّيادةَ ويُعَيِّنُ جِنسَها

البِناءُ «لَن نَزيدَكُم إلّا كذا» يُبقي الزِّيادةَ قائِمةً ويَحصُرُ نَوعَها في واحِد. فلَيسَ الوَعدُ بِتَوَقُّفِ الزِّيادة، بل بِأنَّها لن تَتَفَرَّعَ إلى جِنسٍ ثانٍ. البابُ الوَحيدُ الذي يَبقى مَفتوحاً هو البابُ الذي دَخَلوا مِنه.

والعَذابُ في جِذرِه (ع ذ ب) ظُهورٌ من عُمقٍ يَنفُذُ بِحِدَّةٍ ثُمَّ يَخرُجُ إلى السَّطح. ومن الجِذرِ نَفسِه «الماءُ العَذب» الذي يَنفُذُ في الحَلقِ بِلا مُقاوَمة. النُّفوذُ في الحالَينِ واحِد، والفَرقُ في حَدِّه: مَرَّةً يَسوغُ ومَرَّةً يَقطَع.

والذّالُ حاضِرةٌ في «ذوقوا» وفي «عَذاباً» مَعاً، وهي في الجِذرَينِ حَرفُ النَّفاذِ الحادّ. فالأمرُ والمَأمورُ بِه يَلتَقِيانِ عِندَ حَرفٍ واحِد: ما يُلامَسُ بِالطَّرَفِ هو ما يَنفُذُ إلى العُمق.


حَصيلة

تُديرُ الآيةُ وَجهَ الكَلامِ من الغَيبةِ إلى الخِطابِ بِفاءٍ وأمر، فيَصيرُ الالتِفاتُ نَفسُه هو الخَبَر. و«ذوقوا» (ذ و ق) مُلامَسةٌ دَقيقةٌ تَنفُذُ فتَنعَقِدُ في العُمق، وهي أقَلُّ ما تَتِمُّ بِه مَعرِفة، فالعِلمُ الذي وَعَدَت بِه السّورةُ مَرَّتَينِ يَحضُرُ هُنا من مَدخَلِ الفَم. ثُمَّ «لَن نَزيدَكُم» (ز ي د): نَفيٌ مُمتَدٌّ في الآتي، وفِعلٌ جِذرُه استِقرارُ ما جاوَزَ الحَدَّ فلا يَخرُج. ثُمَّ يَكشِفُ الاستِثناءُ أنَّ المَنفِيَّ تَنَوُّعُ الزِّيادةِ لا وُقوعُها: البابُ الذي دُخِلَ مِنه هو البابُ الذي يَبقى. و«عَذاباً» (ع ذ ب) نَفاذٌ من العُمقِ يَخرُجُ حادّاً، ومن جِذرِه العُذوبةُ التي تَسوغُ في الحَلق، فالفَرقُ في الحَدِّ لا في المَجرى. وتَجمَعُ الذّالُ بَينَ الأمرِ والمَأمورِ بِه: طَرَفٌ يُلامِسُ، وحَدٌّ يَنفُذ.