النبأ · الآية 31

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا

«إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ»: المِلكُ يُسمَعُ قَبلَ المَملوك

تُفتَتَحُ الجِهةُ الثانِيةُ بِالحَرفِ الذي افتُتِحَت بِه الأُولى. هُناكَ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾، وهُنا «إنَّ لِلمُتَّقين». تَوكيدٌ واحِدٌ يُوضَعُ على الطَّرَفَين، فلا يَكونُ أحَدُهُما خَبَراً والآخَرُ ظَنّاً.

وقُدِّمَ الجارُّ والمَجرورُ على الاسم، فجاءَت اللامُ قَبلَ أن يُذكَرَ ما تَملِكُه. اللامُ حَرفُ اختِصاص، وهي هُنا تَسبِقُ المُختَصَّ بِه: تُسمَعُ نِسبةُ المِلكِ أوَّلاً، ثُمَّ يَجيءُ المَملوكُ نَكِرةً في آخِرِ الآية. والأُذُنُ تَتَلَقّى الأمانَ قَبلَ أن تَعرِفَ اسمَه.

«لِلْمُتَّقِينَ»: الحارِسُ والمَحروسُ شَخصٌ واحِد

الجِذرُ (و ق ي) وَصلٌ يَنعَقِدُ في العُمقِ فيُحكَمُ ثُمَّ يَمتَدُّ سارِياً: حِراسةٌ مُحكَمةٌ تَطولُ فتَمنَعُ ما يُخِلُّ أن يَنفُذَ إلى الباطِن. والوِقايةُ في أصلِها ما يُجعَلُ بَينَ الشَّيءِ وما يُؤذيه، لا خَوفٌ يُقعِدُ صاحِبَه.

و«اتَّقى» على افتَعَل، وهذا البِناءُ يَرُدُّ الفِعلَ على فاعِلِه. فالمُتَّقي لَيسَ مَن وُقِيَ، بل مَن أقامَ الوِقايةَ على نَفسِه بِنَفسِه. الحارِسُ والمَحروسُ فيه واحِد، والحِصنُ يُبنى من داخِلِ الدّارِ لا يُنتَظَرُ من خارِجِها.

والجِهَتانِ في هذه السّورةِ تُقاسانِ بِما في الباطِن: هُناكَ خَيطٌ لم يُمَدّ، وهُنا سُورٌ أُقيم. كِلاهُما عَمَلٌ لا يُرى، وكِلاهُما يُثمِرُ في العَلَن.

«مَفَازًا»: الجِذرُ يُسَمّي الخُروجَ ويَسكُتُ عَمّا بَعدَه

الفَوزُ في جِذرِه (ف و ز) شَقٌّ يَنفَتِحُ ضَيِّقاً فيُبعِدُ ما كانَ سادّاً، ثُمَّ إحاطةٌ تَنفَرِجُ فتُفضي بِما فيها، ثُمَّ نَفاذٌ حادٌّ من مَضيق. ثَلاثُ خُطُواتٍ كُلُّها في الطَّريق: الجِذرُ يَصِفُ الخُروجَ من المُحيطِ ولا يَصِفُ ما يُستَقبَلُ بَعدَ الخُروج.

و«مَفازاً» على مَفعَل، وهو يَحتَمِلُ المَصدَرَ فيَكونُ فَوزاً، ويَحتَمِلُ المَوضِعَ فيَكونُ مَكانَ الفَوز. والآيةُ لم تَحسِمْ أحَدَ الوَجهَين، فيَبقَيانِ مَسموعَينِ مَعاً: نَجاةٌ تَقَع، ومَوضِعٌ تُدرَكُ فيه.

ولِأنَّ الكَلِمةَ تَسكُتُ عَمّا وَراءَ الباب، تَجيءُ الآياتُ بَعدَها تُفَصِّلُ ما سَكَتَت عنه: حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾. الكَلِمةُ تَفتَحُ الباب، وما يَليها يُري ما وَراءَه.


حَصيلة

تُقابِلُ الآيةُ جِهةَ الجَزاءِ بِمِثلِ توكيدِها: «إنَّ» هُنا كَـ«إنَّ» هُناك. وتَقديمُ اللامِ يُسمِعُ نِسبةَ المِلكِ قَبلَ اسمِ المَملوك، فيَنزِلُ الأمانُ على الأُذُنِ قَبلَ أن يُسَمّى. و«المُتَّقين» (و ق ي): حِراسةٌ مُحكَمةٌ تَمتَدُّ فتَمنَعُ النُّفوذَ إلى الباطِن، وبِناءُ افتَعَل يَرُدُّ الفِعلَ على فاعِلِه فيَصيرُ الحارِسُ هو المَحروس. و«مَفازاً» (ف و ز): شَقٌّ يُبعِد، فإحاطةٌ تَنفَرِج، فنَفاذٌ من مَضيق، وكُلُّها في الطَّريقِ لا في المَقصِد، فالجِذرُ يُسَمّي الخُروجَ ويَسكُتُ عَمّا بَعدَه. ومَجيءُ الكَلِمةِ على مَفعَل يُبقي المَصدَرَ والمَوضِعَ مَسموعَين. فالآيةُ بابٌ يُفتَحُ في آخِرِ سُورٍ أُقيمَ من الدّاخِل، وما بَعدَها هو النَّظَرُ من الباب.