النازعات · الآية 11

﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً

«أَإِذَا كُنَّا»: يُنكِرونَ بِأداةٍ لا تُنكِر

تَعودُ الهَمزةُ في صَدرِ الكَلامِ كَما جاءَت في الآيةِ قَبلَها، غَيرَ أنَّها تَدخُلُ هذه المَرّةَ على «إذا»، و«إذا» أداةُ زَمانٍ لِما هو واقِعٌ لا مَحالة، إذ يَقولُ «إنْ» مَن شَكَّ في وُقوعِ شَيء، ويَقولُ «إذا» مَن أثبَتَ وَقتَه. فهُم يُسَلِّمونَ بِالمَوعِدِ في اللَّفظِ ويَدفَعونَ ما بَعدَه.

وأصلُ «كُنَّا» ك-و-ن، وهو حُصولٌ على حالٍ يَستَقِرُّ فيها صاحِبُها في حَيِّزِه، وهي هُنا رابِطةٌ تَعقِدُ الاسمَ على خَبَرِه، فيَصيرُ ما بَعدَها حالاً مُقَرَّرةً لا احتِمالاً. فقد أثبَتوا الصَّيرورةَ بِأداةٍ ثُمَّ بِفِعل، ثُمَّ وَقَفوا يُنكِرونَ ما وَراءَها، والحُجّةُ التي تَبدَأُ بِتَسليمٍ لا تَصلُحُ حُجّةً لِلرَّدّ.

«عِظَامًا»: يَختارونَ أبقى ما فيهِم

وأوثِرَ في كَلامِهِم «عِظَامًا» على «تُراباً» و«رُفاتاً» في هذا المَوضِع. وع-ظ-م كُتلةٌ مُلتَحِمةٌ مُتَلاصِقةٌ يَغشاها غِطاءٌ غَليظٌ يَحجُبُها، فهو مُجتَمِعٌ صُلبٌ تَحتَ ما يَكسوه.

وفي هذا الاختِيارِ دَلالةٌ عَلَيهِم أكثَرُ مِمّا أرادوا، إذ ذَكَروا آخِرَ ما يُقاوِمُ فيهِم، وهو الشَّيءُ الذي يَبقى حينَ يَذهَبُ اللَّحمُ عنه، فجَعَلوا حُجَّتَهُم في أصلَبِ ما يَملِكون، وأصلَبُ ما نَملِكُه هو الذي نَراهُ آخِرَ ما نَرى.

«نَّخِرَةً»: الصَّلابةُ تُوصَفُ بِالجَوف

ثُمَّ يَنعَتونَ ذلك القِوامَ بِما يُبطِلُه، ففي ن-خ-ر جَوفٌ يَحتَبِسُ ثُمَّ يَتَخَلخَلُ فيَفرُغ، ويَجري هذا الفَراغُ في الجِرمِ حتّى يَعُمَّ فيَمُرَّ فيه الهَواء، ومِنه النَّخيرُ، وهو صَوتٌ لا يَخرُجُ إلّا من مَجرىً خالٍ.

فالنَّعتُ يَأكُلُ المَنعوت، إذ اختاروا العَظمَ لِأنَّه يُمسِك، ثُمَّ وَصَفوه بِأنَّ باطِنَه صارَ هَواءً، وعلى هذا تَقومُ حُجَّتُهُم كُلُّها: أنَّ ما لَم يَبقَ فيه ما يُمسَكُ بِه لا تُمسِكُ بِه يَد.

على أنَّ الصَّوتَ الذي يَمُرُّ في العَظمِ النَّخِرِ يَمُرُّ فيه لِأنَّه صارَ مَجرىً، والمَجرى يُدخِلُ كَما يُخرِج، فقد جَعَلوا الخَلاءَ مانِعاً، والخَلاءُ لا يَمنَعُ الدّاخِل.


حَصيلة

تَعودُ هَمزةُ الإنكارِ فتَدخُلُ على «إذا»، وهي أداةُ زَمانٍ لِما هو واقِع، فيُسَلِّمونَ بِالوَقتِ ويَدفَعونَ ما فيه. ثُمَّ «كُنَّا»، وك-و-ن حُصولٌ على حالٍ يَستَقِرُّ فيها صاحِبُها، فتَصيرُ الحالُ بَعدَها مُقَرَّرةً بِلَفظِهِم. ثُمَّ «عِظَامًا»، وع-ظ-م كُتلةٌ مُلتَحِمةٌ مُتَلاصِقةٌ يَغشاها غِطاءٌ غَليظٌ يَحجُبُها، وقَد اختاروا بِه أبقى ما فيهِم لِيَبنوا عَلَيه الاستِبعاد. ثُمَّ «نَّخِرَةً»، ون-خ-ر جِرمٌ يَتَجَوَّفُ حتّى يَمُرَّ فيه الهَواء، فالنَّعتُ يَنقُضُ المَنعوت. فأصحابُ هذه الآيةِ يُقيمونَ حُجَّتَهُم على أنَّ ما فَرُغَ باطِنُه لا يُعاد، وقَد وَصَفوه بِأنَّه صارَ مَجرىً مَفتوحاً.