النازعات · الآية 17
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«اذْهَبْ»: أوَّلُ ما يُقالُ بَعدَ النِّداءِ خُروج
النِّداءُ في السَّطرِ قَبلَه وَقَعَ ولم يُذكَرْ مَضمونُه. هُنا يَنزِلُ المَضمون، وهو أمر. لا سَلامَ قَبلَه ولا تَعريفَ ولا تَمهيد. أوَّلُ كَلِمةٍ تَصِلُ الرَّجُلَ بَعدَ أن نُودِيَ هي فِعلُ أمرٍ مُفرَد.
و«ذَهَبَ» من ذ-ه-ب: مُضِيٌّ في فَراغٍ يَنتَهي إلى خُروجٍ عن المَوضِع. فالكَلِمةُ لا تَصِفُ مَسافةً تُقطَع، بَل مُفارَقةَ مَكانٍ كانَ فيه. وقَد قيلَ لَه قَبلَ سَطرٍ إنَّه في وادٍ مُقَدَّس. فأوَّلُ ما يُقالُ لِمَن نُودِيَ في مَوضِعٍ فُصِلَ: اخرُجْ مِنه.
ولَيسَ في اللَّفظِ زادٌ ولا رَفيقٌ ولا وَقتٌ ولا طَريق. فِعلٌ واحِدٌ بِصيغةِ الأمرِ ثُمَّ حَرفُ غاية. والمَوضِعُ المُقَدَّسُ لَيسَ مَقاماً يُقامُ فيه، وإنَّما هو مَوضِعُ الصَّوتِ الذي يُخرِجُ صاحِبَه.
«إِلَىٰ فِرْعَوْنَ»: مُنتَهى السَّيرِ إنسانٌ لا أرض
«إلى» تَحُدُّ المُنتَهى. والمُنتَهى المَذكورُ اسمُ رَجُلٍ لا اسمُ بَلَدٍ ولا اسمُ قَوم. لم يُقَلْ: اذهَبْ إلى مِصرَ، ولا إلى القَوم. الغايةُ شَخصٌ واحِدٌ يُسَمّى.
وسَمَّتِ الآيةُ فسُمِّيَ، ولم تُلحِقْ بِالاسمِ وَصفاً: لا مُلكاً ولا عَرشاً ولا جُنداً ولا زَماناً. اسمٌ مُجَرَّدٌ يَقَعُ بَعدَ حَرفِ الغاية، كَما وَقَعَ «طُوًى» مُجَرَّداً بَعدَ الوادي. اسمانِ في سَطرَين: مَوضِعٌ يُخرَجُ مِنه، ورَجُلٌ يُقصَدُ إلَيه.
«إِنَّهُ طَغَىٰ»: حَدٌّ جُووِزَ، لا مَظلومٌ يُسَمّى
الجُملةُ الثّانِيَةُ عِلّةُ الأُولى. «إنَّ» تُوَكِّد، والهاءُ تَعودُ إلى المُسَمّى، ثُمَّ فِعلٌ ماضٍ واحِدٌ يَحمِلُ التَّعليلَ كُلَّه.
و«طَغَىٰ» من ط-غ-ي: فَيضٌ ثَقيلٌ يَعلو حَدَّه ويَمتَدُّ فيُغَطّي. والجِذرُ يَدورُ على حَدٍّ جُووِز، لا على مَن وَقَعَ عليه الجَوْز. ولِذلك جاءَ الفِعلُ لازِماً بِلا مَفعول: لم يُذكَرْ عَلامَ طَغى ولا فيمَ ولا بِمَن. جُملةُ التَّعليلِ لم تُسَمِّ مَظلوماً، وإنَّما ذَكَرَت مِقداراً تَعَدّاه صاحِبُه.
وسَتَنقُلُ السّورةُ بَعدُ قَولاً من فَمِه: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾. لكِنَّ ذلك يَجيءُ في مَوضِعِه، وهُنا لا يُنقَلُ قَولٌ ولا يُوصَفُ فِعل. الأمرُ يُبنى على كَلِمةٍ واحِدة. والذي فاضَ عن حَدِّه يُرسَلُ إليه، لا يُهرَبُ مِنه.
حَصيلة
نُودِيَ في السَّطرِ السابِقِ ولم يُذكَرْ مَضمونُ النِّداء، فلَمّا نَزَلَ كانَ أمراً بِالخُروج. و«اذهَبْ» من ذ-ه-ب: مُضِيٌّ في فَراغٍ يَنتَهي إلى مُفارَقةِ المَوضِع، فأوَّلُ ما يُقالُ لِمَن نُودِيَ في وادٍ فُصِلَ أن يُفارِقَه. و«إلى» تَحُدُّ الغاية، والغايةُ اسمُ رَجُلٍ مُجَرَّدٌ لا أرضٌ ولا قَوم، مُقابِلٌ لِاسمِ المَوضِعِ الذي خَرَجَ مِنه. ثُمَّ «إنَّه طَغى» جُملةُ التَّعليلِ كُلِّها: ط-غ-ي فَيضٌ ثَقيلٌ يَعلو حَدَّه ويَمتَدُّ فيُغَطّي، والفِعلُ لازِمٌ بِلا مَفعول، فلا مَظلومَ في اللَّفظِ ولا مَوضِعَ ولا وَقت. ثَلاثُ كَلِماتٍ لِلأمرِ وثَلاثٌ لِعِلَّتِه، ولَيسَ فيها زادٌ ولا رَفيقٌ ولا وَصفُ رَجُلٍ ولا صِفةُ مُلك. ما يُذكَرُ في التَّعليلِ حَدٌّ لا وَجه.