النازعات · الآية 16

﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى

«إِذْ»: يُدخَلُ الخَبَرُ من مَوضِعِ الصَّوت

فُتِحَ البابُ في الآيةِ قَبلَها: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾، ثُمَّ تَجيءُ «إذ» فتُعَلِّقُ الخَبَرَ بِوَقتٍ مَضى، وهي ظَرفٌ يَدخُلُ في الكَلامِ ولا يَبتَدِئُه.

ولِذلك خَلَتِ الآيةُ من النَّسَبِ والنَّشأةِ والأرضِ والزَّمانِ المَعدود، فالحَديثُ الذي وُعِدَ بِه المُخاطَبُ يُفتَحُ عِندَ لَحظةٍ واحِدةٍ من وَسَطِه، لا من أوَّلِ عُمرٍ ولا من طَرَفِ سِلسِلة، ومَن دَخَلَ من هُنا عَرَفَ ما يُرادُ لَه أن يَعرِف، وهو أنَّ الحَديثَ يُدخَلُ إليه من مَوضِعِ الصَّوت.

«نَادَاهُ رَبُّهُ»: مَسافةٌ في الفِعل، ونِسبةٌ مَكانَ الاسم

والنِّداءُ من ن-د-ي: صَوتٌ يَنبَعِثُ من الجَوفِ فيُدفَعُ ويَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ مَن نَأى، فالمَسافةُ داخِلُ الفِعلِ لا خارِجُه، إذ لا يُنادى مَن هو عِندَ المِرفَق. وجاءَ على وَزنِ فاعَلَ، وهو وَزنُ ما يَجري بَينَ طَرَفَين.

ووَقَعَ الفِعلُ على هاءٍ وَحدَها، إذ سُمِّيَ الرَّجُلُ في الآيةِ التي قَبلَ هذه فلَم يُسَمَّ ثانِيَة، والتَّسمِيَةُ في هذه السّورةِ تَقَعُ مَرّةً ثُمَّ يَكتَفي الكَلامُ بِالضَّمير.

وأمّا المُنادي فعُدِلَ فيه عن الاسمِ إلى نِسبةٍ مُعَلَّقةٍ بِالمُنادى نَفسِه: «رَبُّهُ»، فلَم يُذكَرْ بِاسمٍ أصلاً. ور-ب-ب مُلازَمةٌ مُتَّصِلةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال، ومِنه «رَبَّ الوَلَدَ» إذا لازَمَهُ في نُشوئِهِ حتّى استَوى. والهاءُ في آخِرِ الكَلِمةِ دالّةٌ على أنَّ هذه المُلازَمةَ قائِمةٌ قَبلَ النِّداء، فالنِّسبةُ كانَت قائِمةً قَبلَ أن يُسمَعَ الصَّوت.

«بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى»: قاعٌ يُفصَلُ ثُمَّ يُسَمّى

والباءُ لِلمَحَلّ، والمَحَلُّ مُنخَفَض، ففي و-د-ي مَجرىً مَربوطٌ ثابِتٌ يَنحَدِرُ فيه السَّيل، ومِنه «الوادي» لِما جَرى فيه الماءُ لِأنَّه أدنى مِمّا حَولَه. فمَوضِعُ النِّداءِ ما تَنحَدِرُ إليه المِياه، دونَ القِمّةِ والمُرتَفَع.

ثُمَّ يُوصَفُ هذا القاعُ بِـ«الْمُقَدَّسِ»، وق-د-س فَصلٌ حاسِمٌ يَثبُتُ ويَدومُ فلا يُخالِطُهُ ما فُصِلَ عنه، وهو اسمُ مَفعولٍ من «قَدَّسَ» على وَزنِ فَعَّل، فالفَصلُ واقِعٌ على الوادي من غَيرِه لا قائِمٌ بِه، والتَّضعيفُ يُكَثِّفُه ويُكَرِّرُه، ولَم يَتَقَدَّسِ الوادي بِنَفسِه.

ثُمَّ «طُوًى»، وهو اسمٌ يُلحَقُ بِالمَوضِعِ ولا يُزادُ عَلَيه حَرف، فلا جِهةَ ولا مَسافةَ ولا عَلامةَ ولا حَدّ. وحُروفُه تُقرَأُ كَما تُقرَأُ حُروفُ كُلِّ كَلِمة، وأصلُ ط-و-ي ضَمُّ العَريضِ بَعضِهِ على بَعضٍ حتّى يُحيطَ ويَمتَدّ، ولا يُبنى على ذلك تَعيينُ بُقعةٍ في الأرض. فهي ثَلاثةُ أوصافٍ لِمَوضِعٍ واحِد: مَجرىً، ومَفصولٌ، ومُسَمّى، ولَيسَ فيها ارتِفاع.


حَصيلة

«إذ» ظَرفٌ يَدخُلُ في الخَبَرِ عِندَ لَحظةٍ بِعَينِها، فلا نَشأةَ قَبلَها ولا نَسَب. و«ناداه» من ن-د-ي: صَوتٌ يَنبَعِثُ من الجَوفِ فيُدفَعُ ويَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ مَن نَأى، فالمَسافةُ في الجِذرِ لا في المَشهَد. ووَقَعَ الفِعلُ على ضَميرٍ دونَ اسم، لِأنَّ الاسمَ ذُكِرَ مَرّةً فكَفى. والمُنادي مُعَرَّفٌ بِنِسبَتِه، إذ ر-ب-ب مُلازَمةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال، والهاءُ تَجعَلُها سابِقةً على الصَّوتِ لا حادِثةً بِه. والمَوضِعُ مُنخَفَض، إذ و-د-ي مَجرىً ثابِتٌ يَنحَدِرُ فيه السَّيل، و«المُقَدَّس» اسمُ مَفعول، فالفَصلُ نازِلٌ على الوادي من غَيرِه، و«طُوًى» اسمٌ يُعطى عارِياً كَما أُعطِيَ «مُوسَىٰ» قَبلَه. فهو نِداءٌ يَنزِلُ إلى قاعٍ فيَجِدُ هُناكَ مَن يُنادى بِنِسبَتِه لا بِرُتبَتِه، والعُلُوُّ لَيسَ شَرطاً في مَوضِعِ الكَلام.