النازعات · الآية 33

﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

«مَتَاعًا»: مَنصوبٌ يَجمَعُ ما تَقَدَّمَ في غايةٍ واحِدة

عَدَّت ثَلاثُ آياتٍ أفعالاً: دَحاها، أخرَجَ مِنها ماءَها ومَرعاها، والجِبالَ أرساها، ثُمَّ جاءَت كَلِمةٌ واحِدةٌ مَنصوبةٌ تَجمَعُها كُلَّها وتُبَيِّنُ عِلَّتَها: «مَتاعاً». فالأفعالُ تُعَدُّ، ثُمَّ تُعَلَّقُ جُملَتُها بِمَن يَنتَفِعُ بِها.

والمَتاعُ من م-ت-ع، وأصلُه قَبضٌ على ما يُنتَفَعُ بِه في امتِدادٍ يَنقَطِعُ إذا تَمّ، فالكَلِمةُ تَحمِلُ النَّفعَ ونِهايَتَه مَعاً، أي انتِفاعاً يَبلُغُ تَمامَه ثُمَّ يَنقَطِع، ولِذلك كانَ مَن سَمّى شَيئاً مَتاعاً قد وَقَّتَه وهو يَمدَحُه.

وجاءَ نَكِرةً، فلم يُعَرَّفْ بِـ«المَتاع» فيَنحَصِر، وأُطلِقَ قَدراً من نَفعٍ لا تُحَدُّ أصنافُه ولَه حَدٌّ في الزَّمَن.

«لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ»: لامٌ تُعادُ فتُعطي الطَّرَفَ الثانِيَ حَقَّه

واللّامُ هُنا مُعادة، فهُما لامانِ لا لامٌ واحِدة، ولَو جاءَ الكَلامُ «لَكُم وأنعامِكُم» لَدَخَلَتِ الأنعامُ في الحِصّةِ تَبَعاً، فلَمّا أُعيدَتِ اللّامُ صارَ لَها نَصيبٌ قائِمٌ في الجُملة.

والأنعامُ من ن-ع-م، وهو جَذرُ النِّعمة، ومَعناه عَطاءٌ يَطلُعُ من الأصلِ فيُقيمُ في صاحِبِه مُلتَصِقاً بِه، فالمُسَمّى بِهذا الاسمِ مَوسومٌ بِما أُعطِيَ لَه، وهو نَفسُه في هذه الآيةِ مِمَّن يُعطى، فهو مَملوكٌ يُذكَرُ لَه حَقٌّ في الجُملةِ التي مَلَكَته.

ثُمَّ جاءَ الخِطابُ في «لَكُم»، فعادَ ضَميرُ المُخاطَبِ الذي ابتُدِئَ بِه هذا السِّياق: أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾، وقد سُئِلوا أوَّلاً عن قَدرِهِم في الكِفّة، ثُمَّ أُخبِروا آخِراً بِأنَّ الذي قيسوا بِه مَبسوطٌ لِمَنفَعَتِهِم.

«مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ»: خِتامٌ يُعادُ بِحُروفِه في مَوضِعٍ آخَر

وتَعودُ هذه الجُملةُ بِحُروفِها خاتِمةً لِعَدٍّ آخَرَ لِما تُخرِجُه الأرض: مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾، فهي جُملةٌ واحِدةٌ تُختَمُ بِها قائِمَتان.

فالكَلِمةُ تَعمَلُ عَمَلَ الخاتَم، توضَعُ في آخِرِ ما عُدَّ فتُبَيِّنُ أنَّ العَدَّ كُلَّه كانَ لِهذا. والمَعدودُ هُنا سَقفٌ وأرضٌ وماءٌ ومَرعىً وجِبال، تَجمَعُها كَلِمةٌ واحِدةٌ فيها مَوعِدُ انقِضاء.


حَصيلة

تُجمَعُ الأفعالُ المَعدودةُ قَبلَها في كَلِمةٍ واحِدةٍ مَنصوبة، هي «مَتاعاً» من م-ت-ع، أي قَبضٌ على ما يُنتَفَعُ بِه في امتِدادٍ يَنقَطِعُ إذا تَمّ، فالنَّفعُ ونِهايَتُه في لَفظٍ واحِد، وتَنكيرُها يُطلِقُ أصنافَه ويُبقي حَدَّه في الزَّمَن. ثُمَّ لامانِ لا لامٌ واحِدة: «لَكُم» و«لِأنعامِكُم»، وإعادةُ اللّامِ تُقيمُ لِلطَّرَفِ الثّاني نَصيباً في الجُملة. و«الأنعام» من ن-ع-م، جَذرِ النِّعمة، وهو عَطاءٌ يَطلُعُ من الأصلِ فيَلتَصِقُ بِصاحِبِه، فالاسمُ نَفسُه مَوسومٌ بِما أُعطِيَ لَه. ويَعودُ ضَميرُ المُخاطَبِ الذي ابتُدِئَ بِه السِّياقُ في «أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا»، فيَنتَهي العَدُّ إلى مَن سُئِلَ في أوَّلِه، وبِذلك تَعُدُّ سِتُّ آياتٍ صُنعاً، ثُمَّ تُبَيِّنُ كَلِمةٌ واحِدةٌ لِمَن هو وإلى مَتى.